معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 558
(5) وفي سورة (التكوير/ 7 نزول) واجه اللّه عزّ وجلّ المشركين بالدّفاع عن رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم فقال لهم:
وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) .
(6) وفي سورة (الضحى/ 11 نزول) الّتي نعالج في الصفحات التاليات تدبّرها، أقسم اللّه لرسوله بمظهرين من مظاهر قدرته في كونه، وإتقانه لهما، وعنايته بخلقه، هما تداول إشراق الضّحى واللّيل إذا سجى، أنّ ربّه ما ودّعه ولا قلاه، على خلاف مزاعم امرأة عمّه أبي لهب، وفي هذا القسم ما فيه من تكريم للرّسول، ومكايدة لمروّجة الفرية ومن معها.
واقتصر الدّفاع هنا على مقابلة المكايدة الّتي وجّهتها"أمّ جميل"بمكايدة تغيظها، ولكن بأسلوب استعطاف الرّسول بقسم يفيض بالتّودّد والتّحبّب، وفيه نفي لمقولة من كايده، مع الإعراض عن القائل وعدم مواجهته، استهانة به، واحتقارا له، وفيه استعراض لسوابق الإكرام والإنعام الّتي أكرم اللّه بها رسوله، وأنعم بها عليه، مع بيان ما فيها من التّرقّي الصّاعد، الدّالّ على أنّ العطاء الارتقائيّ سيظلّ مستمرّا من اللّه لرسوله طوال الحياة الأولى، الّتي سيصيب منها خيرا كثيرا، أمّا الآخرة فهي خير وأجلّ وأعظم له من الأولى، إكراما وإنعاما وتمجيدا، ومقاما كريما ودرجة رفيعة.
فلتتميّز"امرأة أبي لهب"ومن كان على شاكلتها غيظا وكمدا، فإنّ اللّه جلّ جلاله إذا شاء إكرام عبد من عباده لم توقف عطاءاته مقالات المكايدين والمكايدات، ولا حسد الحاسدين والحاسدات، ولا ينفعهم شيئا ترصّدهم للعوارض الّتي يمتحن اللّه بها عباده، ولا يعفي منها صفوة خلقه وخيرتهم، لأنّ هؤلاء الصّفوة على معراج الصعود بإذن اللّه وتوفيقه وفيوض عطاءاته، ولا بدّ للصاعد من أن يتعرّض في بعض درجاته لبعض العوارض الّتي تربّيه على الثبات، وتمنحه العزيمة والصّمود، وتشحنه بالهمّة والمقاومة