معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 488
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) : المحروم: الشّقيّ الذي لا يصيب خيرا من وجه يتوجّه له، ويطلق على الفقير. وفي هذه العبارة إضراب عن الخسارة وإثبات للحرمان.
فالمعنى: أفرأيتم أيّها المعنيّون بالخطاب، ما تحرثون (أي: ما تشقّونه في تراب الأرض بالمحاريث) وتبذرون فيه البزور رجاء نباتها، وتسقونه ماء، أو تنتظرون نزول غيث السّماء عليه. أخبروني أأنتم تنبتونه، أم ربّ عظيم هو الّذي ينبته وينمّيه، مع أزمان اللّيل والنّهار، قدرا فقدرا حتّى يبلغ درجة كماله، فيكون لكم رزقا حسنا، وأنتم نائمون، أو غافلون، أو لاهون لاعبون.
إنّ ملايين الأعمال الإنشائيّة تجري في النبّات ليلا نهارا، وأنتم لا تعلمون عنها شيئا، وتكشف بعضها كمرات التصوير التتابعيّ في وحدات زمنية صغرى.
إنّنا نحن ذلك الرّبّ العظيم الّذي ينبت لكم وينمي لكم زروعكم وثماركم، الّتي هي موادّ غذائكم وغذاء أنعامكم في حياتكم.
وكما نحن ننبت زروعكم رحمة وعناية بكم، نحن القادرون على جعله حطاما في لحظات، كأن نرسل عليه رياحا باردات، أو رياحا سموما، فتهلكه وتجعله محطّما.
وحينئذ لا تستطيعون أن تفعلوا شيئا إلّا مواصلة النّدم قائلين: إنّا لخاسرون، بل نحن أشقياء محرومون من الخير، أينما توجّهنا، ومهما اجتهدنا.
إتقان صنع النبات وقيمته في الحياة:
درس علماء النبات الكونيّون في القرنين التاسع عشر والعشرين من