فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 591
ولست أدري لما ذا لم يورد النّحويّون احتمال أن تكون إِذًا هنا دالّة على الظّرفيّة، وأن يكون التنوين عوضا عن مضاف إليه محذوف، كما قالوا في نحو"حينئذ"و"يومئذ". فهذا المعنى هو الأقرب خطورا في الذّهن بحسب سوابق العبارة ولواحقها، أي: فعلتها حينئذ وأنا من الضّالّين.
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ:
أي: فعقب وقت خوفي منكم أن تقتلوني، هربت منكم إلى حيث لا يمسك بي جنودكم، ليسوقوني إليكم.
لَمَّا ظرف للزّمان الماضي هنا، أي: حين خفتكم فيما مضى عقب قتلي المصريّ.
فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا:
الهبة: العطيّة الخالية من الأعواض والأغراض. يقال لغة:"وهب له الشّيء، يهبه، وهبا، ووهبا، وهبة، فهو واهب، ووهّاب، ووهوب، ووهّابة".
رَبِّي: أي: خالقي، والّذي تتعلّق بي دواما صفات ربوبيّته، ويمدّني دواما بعطاءاتها، ويهيمن عليّ دواما بسلطانها ورحمتها.
حُكْمًا: الحكم: فقه الأمور، ومعرفة الحقّ والباطل وحدودهما، ومعرفة الخير والشّرّ وحدودهما، والحسن والسّيّئ وحدودهما، والجميل والقبيح وحدودها.
وبناء على فقه الأمور يصدر من أوتي الحكم أحكامه العلميّة، وأحكامه القضائيّة مطابقة للحقّ والخير والفضيلة.
والمعنى: فأعطاني ربّي بفضل منه فقها في الأمور، بعد أن كنت جاهلا.