معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 557
اتّصلوا بملك فارس، حينما كانوا في أسر الأشوريّين من غير الواقعين في الأسر أو ممّن فرّ منهم، وحرّضوه على قتالهم، ووعدوه بأن يعاونوه، فوجد ملك فارس الفرصة مواتية له للظفر بغنيمة كبيرة، فحارب"كورش"ملك فارس البابليين، فهزمهم، ثم حاربهم الملك بعده"داريوس"ففتح بابل، وأذن لليهود في سنة (530) ق م أن يرجعوا إلى أورشليم ويجدّدوا دولتهم، فعادوا تائبين إلى ربّهم ممّا أحدثوا من كفر وفساد وإفساد.
لكنّهم عادوا إلى ما كانوا قد نهوا عنه من فساد وإفساد، فانتقم اللّه منهم انتقامات جزئيّة، دون أن يكون لهم علوّ ظاهر في الأرض، حتّى آثروا الهجرة من فلسطين، والتّوزّع في بلاد الدّنيا غربها وشرقها وجنوبها وشمالها، ولم يبق لهم وجود بارز في فلسطين.
إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها ... (7) :
إِنْ أَحْسَنْتُمْ: أي: إن فعلتم ما هو حسن يرضاه اللّه.
وَإِنْ أَسَأْتُمْ: أي: وإن فعلتم ما هو سيء قبيح لا يرضاه اللّه.
هذا خطاب خاطب اللّه به بني إسرائيل، وهو يدلّ على مادّتين من موادّ الجزاء الرّبّاني لكلّ عباده الموضوعين في الحياة الدّنيا موضع الابتلاء، من قبل أن يخلق اللّه الخلق.
المادّة الأولى: من عمل عملا حسنا يرضاه اللّه كسب لنفسه ثوابا حسنا، ويكون بذلك قد أحسن لفائدة نفسه.
المادّة الثانية: من عمل عملا سيّئا لا يرضاه اللّه عرّض نفسه لعقاب يسوؤه، ويكون بذلك قد أساء لنفسه، فجرّ لنفسه عذابا يؤلمه إذا لم يغفر اللّه له بمقتضى حكمته. يقال لغة:"أساء فلانا، وأساء له، وأساء إليه، وأساء عليه، وأساء به"أي: فعل به ما يكره، فلا حاجة إلى تأويلات لا لزوم لها، إذ جاء الاستعمال: فَلَها ولم يأت: فعليها. بيد