معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 559
ويسومونكم سوء العذاب، ولا يكون هدفهم إبادتكم، بل هدفهم أن يعيدوكم إلى وضعكم غير الاستثنائيّ، وهو ما ضرب عليكم من الذّلّة والمسكنة، الّتي تسوؤكم من أعماق نفوسكم وقلوبكم، فتظهر آثار هذه المساءة على وجوهكم دواما. أو لتكون غاية بعثهم تحقيق هذا.
فاللّامات الجارة في الآية (7) متعلقة بمحذوف تقديره:"بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد"وهو مستفاد من النظير السابق، واللّامات معناها التعليل، وهي في: [ليسوءوا] - [ليدخلوا] - [ليتبّروا] .
ودلّ على الحالتين الغالبة والاستثنائية قول اللّه عزّ وجلّ بشأن اليهود، في سورة (آل عمران/ 3 مصحف/ 89 نزول) :
ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (112) .
فالوضع غير الاستثنائيّ، الشّامل لمعظم أحوال تاريخهم الّذي بدأ بعد فسادهم وإفسادهم وسقوط مملكتهم.
(1) أنّهم ضربت عليهم الذّلّة (- الضّعف والهوان) أينما وجدوا ملاحقين لقتالهم، في كلّ أحوالهم، باستثناء حالة يمدّهم اللّه فيها بحبل معنويّ ليؤدّب بهم المسلمين العصاة، ويمكّن فيها دولا من شعوب الأرض من أن تعطيهم حبل قوّة يستعلون به.
(2) أنّهم باءوا بغضب من اللّه، أي: حلّوا به، فهم مقيمون دائما فيه، ما داموا على كفرهم وفسادهم وإفسادهم لا يدخلون في دين اللّه الحقّ، الذي جعله عامّا شاملا للنّاس أجمعين.
(3) أنّهم ضربت عليهم المسكنة، أي: التظاهر بالضّعف والحاجة والذّلّ، ولو كانوا على خلاف ذلك في الواقع.