معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 170
ومن السّكون النّسبيّ أن يتوقّف الكائن الحيّ عن الحركة بأعضائه لينال ما يطلبه من دنياه، فيلجأ إلى الرّاحة والنّوم، ومنه الموت الّذي تتوقّف به حركة الحياة، دون أن تتوقّف ذرّات جسد الميّت عن حركاتها الّتي هي من جنس حركات ذرّات المادّيّات غير الحيّة.
ويدلّ على هذا السّكون النّسبيّ قيد فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لأنّ جميع الكائنات الحيّة في الأرض، تحتاج إلى سكون نسبيّ لتأخذ نصيبها من الرّاحة اللّازمة لحياتها، ومنها ما يسكن ليلا، ومنها ما يسكن نهارا.
وهذه جميعها ملك للّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- ولو كانت من الأحياء الصغرى الّتي لا ترى بأبصار الناس، كالأحياء المجهريّة.
وبما أنّها ملكه تبارك وتعالى فهو يرعى أقواتها لحيواتها، ويهيّئ لها مطالبها على وفق حكمته، وهو الذي أحياها وهو الذي يميتها، وهو السّميع لأصواتها، وهو العليم بكل أحوالها الظّاهرة والباطنة.
وهنا يتّسع إدراكنا مع العلوم المعاصرة، ليشمل المكروبات والقيروسات، وما يمكن أن يكتشف ممّا هو أصغر من القيروسات.
كلّ ذلك هو مخلوق للّه ومملوك له، وهو جلّ جلاله المهيمن عليه والمتصرّف فيه، إيجادا وإعداما، ورزقا وتسييرا وحياة وموتا، وحركة وسكونا، ونفعا وضرّا، وغير ذلك.
وليس ببعيد أن يكون في عالم الغيب عنّا أشياء هي مخلوقة للّه ومملوكة له، وهي ذات سكون تام، ونحن لا نعلمها، ولا نعلم تأثيرات لها فينا بقضاء اللّه وقدره، فكثير من أمور الغيب لم يهيّئ اللّه لنا وسائل إدراكها ولا العلم بها.
أمّا الأكوان الّتي أعطانا اللّه عزّ وجلّ وسائل العلم بها، فقد دلّتنا وسائل المعرفة الإنسانيّة على أنّها دائمة الحركة، وأنّ ما يسكن منها فهو