معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 705
الكفر: يأتي في اللّغة بمعنى جحود النّعمة، وهو ضدّ الشكر، وأصل الكفر في اللّغة تغطية الشيء تغطية تستهلكه، وكلّ من كفر شيئا فقد ستره، ولهذا يقال للزارع كافر، لأنه يلقي الحبّ في الأرض ويستره بالتراب، وتسمّي العرب الزّرّاع كفّارا، لأنهم يكفرون الحبّ المبذور بتراب الأرض.
وعلى هذا فالكافر في الدّين هو الذي ستر أدلّة الإيمان والإسلام وجحدها بعد أن وضحت له.
وليس الكافر من كان خالي الذهن من أدلّة الإيمان والإسلام، ولا الباحث عنها، ولا المتريّث حتّى تتّضح له الأدلّة، بل هو العارف بحقائق عناصر الإيمان والإسلام السّاتر لها والجاحد بها.
فالكفر في الدين: هو موقف الرّفض والجحود، بعد معرفة الحقّ بأدلّته المثبتة له، وهذا ما تدلّ عليه الاستعمالات القرآنيّة المختلفة.
لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (2) :
العبادة: هي الخضوع والطاعة والانقياد والقيام بما يرضي المالك المعبود، وترك ما لا يرضيه من كلّ سلوك إراديّ.
والعبادة في الدين: هي كلّ ذلك موجّها للرّبّ المالك غير المدرك بالحواسّ، ورأس عبادته توجيه الدّعاء له، لتحقيق مطالب الدنيا والآخرة، والصّلاة له، والقيام بأعمال قلبيّة ونفسيّة وجسديّة تعبّر عن إفراده بالرّبوبيّة والإلهيّة. وهذه العبادة لا تكون إلّا للخالق الرّبّ جلّ جلاله، فهو وحده الذي يستحقّها، ولا شيء سواه له ربوبيّة أو إلهيّة، فمن عبد بهذه العبادة غير اللّه فقد كفر باللّه.
والعبادة قسمان: جبريّة واختياريّة.
فالجبريّة هي الطاعة التامّة لأوامر التكوين، وهذه لا فضل فيها لمن تجري فيه أو عليه، ويخضع لها كلّ ما سوى اللّه في الوجود.