معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 357
ثمر النّبات إذا أثمر نظرات تفكّر في بديع صنعه في خلقه للنّبات متنقّلا في أطوار، وإلى عنايته بعباده، إذ خلق لهم ما فيه غذاؤهم، وفاكهتهم، ودواؤهم، وأنواع متاع لهم في الحياة الدّنيا، ومنها الاستمتاع الجمالي فيما يخرج من نباتات.
* ... إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99) :
أرى أنّ اسم الإشارة في: ذلِكُمْ يشار به إلى ما نبّه اللّه عزّ وجلّ عليه من آياته الكونيّة الثّمان في هذا الدّرس.
واستخدم اسم الإشارة الّذي يشار به إلى المشار إليه البعيد، للدّلالة على عظم هذه الآيات الكونيّة، وارتفاع منزلتها.
لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ: أي: لعلامات جليّات دالّات على حقائق علميّة، هادية إلى صفات من صفات ربوبيّة اللّه لكونه- جلّ جلاله وعظم سلطانه وسمت عنايته بعباده- فمن لديهم الاستعداد الإراديّ، الضّابط لأهوائهم وشهواتهم، والنّابذ للتقاليد الباطلة، والاتّباع الأعمى، آمنوا بأنّ اللّه هو الواحد في ربوبيّته لكونه، فهو الواحد في إلهيّته لعباده، وآمنوا باليوم الآخر وما فيه من جزاء بالثواب وبالعقاب، وآمنوا برسوله وبما بلّغهم إيّاه عن ربّه، فأسلموا وعبّروا عن إيمانهم الصّادق وإسلامهم لربّهم، بأعمال صالحة ترضيه، ليفوزوا بالخلود يوم الدّين بجنّات النّعيم.
فعل يُؤْمِنُونَ استعمل هنا بمعنى الاستقبال، أي: لقوم لديهم الاستعداد لأن يؤمنوا مستقبلا، فيخرج الّذين ليسوا مستعدّين لأن يؤمنوا، فإنّهم لا يعبؤون بهذه الآيات ولا يتفكّرون فيها، فهم لا ينتفعون بها.
وبهذا تمّ تدبّر الدرس الحادي والعشرين من دروس سورة (الأنعام) .
والحمد للّه على معونته ومدده وتوفيقه وفتحه.