معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 368
بالبقاء، وتصاريفه فيكم، ومراقبته لكم، مصاحبات لكم في كلّ الواحدات الزّمنيّة الصغرى الّتي تمرّ عليكم، فلستم خارجين عن محيط ربوبيّته لكم، النّافذة آثارها إلى أعماق كلّ ذرّة من ذرّاتكم.
فمن أبصر ما جاءكم من ربّكم، وآمن به، وأسلم للّه قياده، فأطاعه عاملا بما أمر بفعله، وتاركا ما نهى عن فعله، فلمصلحة نفسه ونجاته وفوزه عنده يوم الدّين قد أبصر.
ومن عمي باختياره الحرّ، فلم يعبأ بما جاءكم من ربّكم، ولم يبصره، ولم يستجب لدعوته ليظفر بنجاته وفوزه عند ربّه يوم القيامة، فعلى نفسه جنى، إذ دفع بها إلى الخلود يوم الدّين في عذاب السّعير، وبئس ذلك المصير.
استعمل الفعل أَبْصَرَ بمعنى فهم وتفكّر واستجاب لدعوة الحقّ الرّبّانيّة، لأنّ هذه لوازم الإبصار السّليم لدى أهل العقل والرشد، وهو استعارة.
واستعمل الفعل عَمِيَ بمعنى أعرض وأدبر فلم يتفكّر ولم يفهم ولم يستجب لدعوة الحقّ الرّبّانية، فكان بمثابة الأعمى باختياره الحرّ، وهو استعارة.
وكلّف اللّه عزّ وجلّ رسوله أن يقول لقومه الّذين لم يستجيبوا لدعوة الحقّ الرّبّانية: ... وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) :
الحفيظ: الحارس على الشيء الموكّل بحفظه ممّا قد يتعرّض له من شرّ.
أي: أرسلني ربّي إليكم لأبلّغكم رسالاته، ولم يرسلني حفيظا عليكم، حتّى أجبركم على سلوك صراط اللّه المستقيم، وأحميكم من شرور أنفسكم، فأنتم موضوعون في الحياة الدّنيا موضع الامتحان،