معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 399
يَخْرُصُونَ (116) : أي: يكذبون، فالمراد بالخرص هنا الكذب، وهو كذلك في كلّ القرآن. ويأتي الخرص في اللّغة بمعنى التقدير بالظّنّ.
* إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117) :
إنّ الحكم في الآية السّابقة بأنّ أكثر من في الأرض ضالّون عن سبيل اللّه، فمن انقاد إليهم أضلّوه عن سبيله، استدعى أن يبيّن اللّه عزّ وجلّ أنّه أعلم من كلّ عليم بكلّ من يضلّ عن سبيله، وأعلم من كلّ عليم بكلّ المهتدين.
جاء في هذه الآية عبارة أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُ والمعروف عند علماء العربيّة أنّ أفعل التّفضيل لا يتعدّى إلى المفعول به مباشرة، وكان الظّاهر أن يقال: أعلم بمن يضلّ. كما جاء في آخر الآية: أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ونظيره جاء في سورة (القصص/ 28 مصحف/ 49 نزول) :
قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (85) :
هذان النّصّان في القرآن خرجا عن القياس العربي، وقد اجتهد المفسرون من أئمة اللّغة في تخريج هذا التعبير.
* فرأى بعضهم أنّ العبارة فيها حذف، وأصلها: أعلم من كلّ عليم، يعلم من جاء بالهدى، ويعلم من هو في ضلال مبين.
* ورأى بعضهم أنّ النّصب جاء بنزع الخافض، وأصل العبارة:
أعلم بمن.
* ورأى بعضهم أنّ أفعل التّفضيل جاء على غير بابه، إذ معناه:
يعلم. إلى غير هذه من تخريجات.
وانسجاما مع منهج الحذف والطّيّ في القرآن، وهو كثير، يترجّح لديّ التخريج الأول. على أنّ النّصب بنزع الخافض ليس مستبعدا، لكنّ الحذف والطّيّ أكثر إثراء للمعاني.