معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 628
الرّجوع به إلى السّاحل فلم يقدروا، فأشار عليهم أن يلقوه في البحر ليسكن عنهم غضب اللّه عزّ وجلّ فألقوه.
فلمّا ألقوه التقمه بأمر اللّه عزّ وجلّ حوت عظيم، وسار به في الظّلمات في حفظ اللّه وتأديبه، وتمّت الخارقة الرّبّانيّة.
وقد أوحى اللّه إلى الحوت أن لا يصيب من"يونس"عليه السّلام لحما، ولا يهشم له عظما، فحمله الحوت العظيم وسار به على سطح البحر، ويونس في فمه حيّ يسبّح اللّه ويستغفره، وينادي في الظّلمات: أن لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي كنت من الظّالمين، فاستجاب اللّه له، ونجّاه من الغمّ، وأوحى إلى الحوت أن يقذف به في العراء على ساحل البحر، فألقى به وهو سقيم.
قالوا: وقد لبث في جوف فم الحوت ثلاثة أيّام بلياليها، واللّه أعلم.
(9) وجد"يونس"عليه السّلام نفسه في العراء سقيما هزيلا، فحمد اللّه على النجاة، وأنبت اللّه عزّ وجلّ عليه شجرة من يقطين، فأكل منها واستظلّ بظلّها، وعافاه اللّه من سقمه، وتاب عليه.
وعلم"يونس"عليه السّلام أنّ ما أصابه تأديب ربّانيّ محفوف بألطاف اللّه في معجزة من لطائف خوارقه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- وعلم أنّ ما حصل له قد كان بسبب استعجاله وخروجه مغاضبا لقومهم من"نينوى"دون إذن صريح من اللّه عزّ وجلّ له بالخروج، وإن كان له فيه اجتهاد مقبول، إلّا أنّ مثل هذا الاجتهاد إن قبل من الصّالحين العاديّين، فإنّه لا يقبل من الرّسل المقرّبين الّذين يوحى إليهم، فهو بخروجه واستعجاله قد فعل ما يستحقّ عليه اللّوم والتّأديب الرّبّانيّ.
(10) ولمّا استطاع"يونس"عليه السّلام أن يسير، عاد إلى قومه