معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 754
فأبان اللّه عزّ وجلّ أنّ قدرته العظيمة قادرة على خلق النّاس جميعا بأمر التّكوين، في وقت واحد، كقدرته على خلق نفس واحدة في الوقت نفسه.
التدبّر التحليلي:
يخاطب اللّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- النّاس جميعا، والمقصودون الأوّلون منكرو البعث، استغرابا من أن يبعث اللّه النّاس جميعا إلى الحياة في وقت واحد يوم القيامة.
فأبان اللّه عزّ وجلّ في هذه الآية لدفع تعجّب المتعجّبين من هذا الأمر العظيم، أنّ خلق النّاس جميعا في وقت واحد، وخلق نفس واحدة منهم ابتداء، وأنّ بعث النّاس جميعا في وقت واحد، وبعث نفس واحدة منهم إلى الحياة بعد موتهم، بالنّسبة إلى قدرته كخلق نفس واحدة، وكبعث نفس واحدة.
وفي العبارة مطويّات من السّهل على المتدبّر إبرازها.
أي: ما خلقكم ولا بعثكم إلى الحياة بعد الموت أيّها النّاس جميعا، إلّا مثل خلق نفس واحدة، وبعث نفس واحدة.
فخلق النّاس جميعا كخلق نفس واحدة، بالنّسبة إلى قدرته، وبعث النّاس جميعا إلى الحياة كبعث نفس واحدة بالنّسبة إلى قدرته.
* .. إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (28) : أي: فلا يتصوّر أحد منكم أنّه غير مجزيّ على ما اكتسب بإرادته الحرّة في الحياة الدّنيا، حينما يرجع إلى حساب ربّه، وفصل قضائه، وتنفيذ جزائه، يوم القيامة، وأنّ ما اكتسبه بإرادته الحرّة غير معلوم للّه عزّ وجلّ، واعلموا جميعا أنّ اللّه سميع كلّ أقوالكم، لا تخفى عليه من أقوالكم خافية ما. واعلموا جميعا أنّ اللّه بصير بكلّ أعمالكم الظّاهرة والباطنة، لا تخفى عليه منها خافية ما.