معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 54
جاء في قصّة موت سليمان عليه السّلام حكايات ليس لها أسانيد تجعلها ذات قيمة خبريّة، فمن الخير عدم ذكر شيء منها.
وممّا يمكن أن يعتمد عليه أنّه كان عليه السّلام له خلوات مع ربّه، فإذا دخل مكانه الخاصّ الّذي يخلو به لم يجرؤ أحد من الجنّ والإنس أن يدخل عليه، لما أعطاه اللّه من هيبة عظيمة في القلوب. وكان له كرسيّ في خلوته يجلس عليه، ويتوكّأ فيه على عصاه، واضعا رأسه عليها يذكر اللّه ويسبّح ويتلو من آيات اللّه فيما أنزل على الرّسل من قبله، وكانت له قدرة على الجلوس الطّويل معروفة لدى الجميع، وربّما كانوا يرونه من بعض النّوافذ إذا مرّوا من جهتها جالسا على كرسيّه ممسكا عصاه وواضعا رأسه على أعلاها، وهم لا يملكون أن يراقبوه مراقبة دائمة، وإنّما تكون نظراتهم لمحات في بعض الأوقات، فيتصوّرون أنّه ترك مجلسه لحاجاته ثمّ عاد، وشاء اللّه عزّ وجلّ أن يعمّي عن كلّ من حوله من الإنس والجنّ واقع حاله.
وقبض ملك الموت روحه في أوائل خلوته عليه السّلام، وهو جالس على كرسيّه ممسكا بعصاه، وواضعا جبينه على أعلاها، وشاء اللّه أن يحفظه وهو على هذا الوضع مدّة طويلة يدرك بها الجنّ أنّهم لا يعلمون الغيب القريب منهم، ويدرك بها الإنس الّذين كانوا يعتقدون أنّ الجنّ يعلمون شيئا من الغيب، أنّ الجنّ لا يعلمون شيئا مما هو غيب عن حواسهم، فهم لم يعلموا موت سليمان وهو في خلوته داخل قصره، وهم ينفّذون أوامره لهم بأعمال شاقّة فيها تعذيب لهم وإهانة، كان قد أمرهم بها قبل أن يدخل خلوته.
وأرسل اللّه الأرضة تأكل من عصاه لتضعف عن حمل ما تحمل من رأسه وجسده فتنكسر.