معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 407
قول اللّه تعالى:
* اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرارًا وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (64) :
في هذه الآية متابعة لبيان بعض منن اللّه ونعمه على الناس، ويخاطب اللّه النّاس بتنبيههم عليها، وقد اشتملت على بيان أربع منها:
المنّة الأولى: أنّه- جلّ جلاله وعظمت مننه- جعل للنّاس الأرض قرارا، أي: مكانا صالحا للاستقرار عليه.
القرار: مصدر"قرّ"بمعنى أقام، وبمعنى سكن واطمأنّ.
فلو كان جعلها ثائرة مضطربة كأمواج البحار الثائرة، لما كانت صالحة للاستقرار عليها، والسّكون والاطمئنان والإقامة الدّائمة.
المنّة الثانية: أنّه- جلّ جلاله وعظمت مننه- جعل السّماء بناء، أي: ذات أجزاء مترابطة متماسكة يمنع هذه الأجزاء من الخروج عن نظامها خروجا مفسدا لوحدة نظام الكون، الّذي لو حدث لتساقط بعضها على بعض، ولصارت الأرض هباء منثورا.
ونحن نعلم أنّ بناء كلّ شيء يكون بحسبه، فبناء الذّرة له نظام، وبناء الخليّة له نظام، وبناء الآلة كالطّائرة والسّفينة البحريّة له نظام، وبناء القصور له نظام، وبناء النّجوم والكواكب له نظام.
فليس من الفكر السّليم أن نقيس بناء السّماوات على بناء المساكن والبيوت والقصور في الأرض، إذ لكلّ ذي أجزاء متماسكة مترابطة بناء يلائمه.
المنّة الثالثة: أنّه- جلّ جلاله وعظمت مننه- صوّر النّاس فأحسن