معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 415
ومعلوما ومسمّى بمقدار لحظاته، فإذا انتهى أجله المحدّد المسمّى توفّاه اللّه.
ولمّا كانت أجال النّاس مختلفة ومجهولة لهم، وكان احتمال بلوغ الأجل قائما في كلّ لحظة من لحظات حياة الإنسان كان بيان اختلاف الأعمار المجهولة للنّاس، دافعا لهم لأن يعقلوا إن شاءوا أن يكونوا أهل رشد ونجاة وفوز، فقال اللّه عزّ وجلّ في التّعليم: .. وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67) :
أي: ويرغب ربّكم في أن تعقلوا، ويفهم من هذه العبارة العقل العلميّ والعقل الإرادي:
فالعقل العلميّ يكون بوضع هذه الحقيقة في ذاكرتكم دواما.
والعقل الإراديّ يكون بضبط حركة حياتكم بإرادة حازمة عن تعريض نفوسكم، لسخط اللّه وعذابه بمعصيته وبالخروج عن صراطه المستقيم.
ولربط ما جاء في هذا الدّرس التّعليميّ ببعض عناصر من القاعدة الإيمانيّة، قال اللّه عزّ وجلّ في الآية الأخيرة منه:
* هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (68) :
أي: اللّه وحده هو الّذي يحيى ويميت، فلا أحد في الوجود كلّه يحيي بنفخ الرّوح الّتي تكون بها النّفوس حيّة غيره جلّ جلاله، ولا أحد في الوجود كلّه يميت بنزع الرّوح الّتي تكون بها النّفوس الحيّة ميّتة غيره جلّ جلاله.
والقتل الّذي تتّخذ الخلائق وسائله لا يكون الموت به إلّا بتقدير اللّه وقضائه، وحين لا يكون للّه بالموت قضاء ربّاني فإنّ اللّه عزّ وجلّ يصرف بتدبيراته مريد القتل عن اتّخاذ الأسباب القاتلة بحسب سنّة اللّه الدّائمة.
* فَإِذا قَضى اللّه أَمْرًا: أي: فإذا أراد جلّ جلاله تنفيذ أمر سبق أن قدّره وقضاء وجاء أجل التّنفيذ، وقضى اللّه أمر تنفيذه.