فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 35
جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ: أي: جاءتهم رسلهم المرسلون إليهم من ربّهم، مصحوبين بالآيات البيّنات الواضحات، وهي قسمان:
الأوّل: خوارق عادات ومعجزات كبرى مثبتات صدق رسل ربّهم.
الثاني: آيات بيانيّة كلاميّة دالّات على أصول الدّين وقواعده وأحكامه وشرائعه، ومطلوبات اللّه من عباده في حياة الامتحان، مع ما يرافقها من وسائل إقناع وترغيب وترهيب وتربية.
فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ: هذه العبارة دلّت بأسلوب الكناية، على أنّ أقوام الرّسل رفضوا الاستماع لبياناتهم الدّاعية إلى دين اللّه الحقّ، لأنّهم متمسّكون بكفريّاتهم، وأنواع سلوكهم الملائمة لكفريّاتهم، ومفهوماتهم الباطلات، وتعلّقهم بالحياة الدّنيا وزيناتها، وإيثارهم إيّاها على الآخرة.
إنّ محدّث النّاس بشأن قضايا لا يؤمنون بها، وهو واقف بينهم؛ يستعمل في الغالب يديه للفت أنظارهم إلى أقواله ومعانيها، في الإثبات، والنّفي، والاستفهام، والجمع، والتّفريق، والعدد، والارتفاع، والانخفاض، والجهات السّتّ، والإشارة إلى شيء، إلى غير هذه من المعاني الّتي تساعد حركات اليدين على إدراكها بسرعة.
وحين يوجّه بعض حضور دعوة الرّسل أسماعهم وأنظارهم إلى تفهّم دعوتهم، يغتاظ قادة القوم وكبراؤهم، فيقوم بعضهم إلى الرّسول فيأمره بالسّكوت والانصراف، فإذا تابع الرّسول دعوته أمسك سفيه القوم بيد الرّسول الّتي يشير بها، وردّها إلى فيه بعنف، وربما أدخل بعض أصابعها فيه ليسكته.
هذه الحركة صارت حركة يكنّى بها عن رفض الاستماع لدعوة الداعي، ورفض دعوته كلّها.