فهرس الكتاب

الصفحة 8376 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 150

دلّت هذه الآية على أنّ إبراهيم عليه السّلام دخل على ملك قومه"نمرود"الجبّار، ودعاه إلى الإيمان باللّه ربّه وربّ العالمين، وإلى نبذ الوثنيّة الّتي هي ميراث ملّة قومه، فرفض الاستجابة لدعوة رسول اللّه إبراهيم عليه السّلام، واتّخذ وسيلة المغالطة حين قال"نمرود"له: من ربك؟.

قال إبراهيم عليه السّلام: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ: أي: هو الّذي يخلق نفسا من مادّة لا حياة لها، فينفخ فيها الرّوح، فتكون بخلق اللّه نفسا ذات حياة، بعد أن لم تكن شيئا مذكورا، وهو الّذي يميت الأحياء عند انتهاء آجالهم، بنزع الأرواح الّتي كانوا بها أحياء.

فاتّخذ"نمرود"أسلوب المغالطة خارجا عن أصل معنى الإحياء والإماتة في بيان إبراهيم عليه السّلام، فقال نمرود:

أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ: أي: أحضر إنسانا حيّا، فأضرب رقبته بالسّيف فأميته، وأحضر إنسانا محكوما عليه بالموت لجرم ارتكبه، فأعفو عنه وأطلق سراحه، فأكون بهذا قد أحييته.

فأدرك إبراهيم عليه السّلام أنّه يراوغ عن الحقيقة، ليقنع من حوله في مجلسه الملكيّ، أنّه انتصر على الرّسول الّذي يدعو إلى اللّه وإلى صراطه المستقيم.

فلم يشأ إبراهيم عليه السّلام بحكمته أن يكشف حيلة"نمرود"في مراوغته، حذر أن يتابع"نمرود"التّهرّب من مسالك فكريّة في قضيّة تحديد المعنى المقصود بالحياة والموت، فانتقل إلى ظاهرة هي من خلق اللّه، ولا يستطيع"نمرود"أن يراوغ فيها.

فقال له: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ:

أي: فإنّ اللّه الّذي هو الرّبّ الخالق من نظامه في الخلق أن يأتي بالشّمس صباحا من المشرق، فإن كنت يا"نمرود"ربّا قادرا على أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت