معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 313
الموازين: جمع الميزان، وأفهم من دلالة الجمع تعدّد أفرادها، وتعدّد أنواعها، فللأعمال الجسديّة موازين بحسب أنواعها، وللأعمال الفكريّة موازين بحسب أنواعها، وللنّيّات والإرادات وسائر أعمال النّفس موازين بحسب أنواعها، ولقوّة الإيمان وضعفه وكثافته ورقّته موازين.
وكلّ ذلك لإظهار كمال العدل الرّبّانيّ للعباد الّذين يحاسبون ويفصل القضاء بشأنهم.
القسط: العدل، وهو من المصادر الّتي يوصف بها الواحد والجمع، وقد وصف اللّه عزّ وجلّ الموازين الّتي يضعها لحساب النّاس في محكمة العدل يوم الدّين بأنّها موازين عادلة تحقّق كمال العدل لكلّ من يوزن له.
المعنى: ونضع بما لنا من ربوبيّة عظيمة يوم القيامة الموازين العادلة لحساب الّذين كانوا في الحياة الدّنيا موضوعين موضع الامتحان، فلا تظلم يومئذ نفس شيئا بالنّقص من حسناتها، أو الزّيادة في سيّئاتها، وإن كانت الزّيادة في السّيّئات أو النّقص من الحسنات شيئا قليلا جدّا، فكلّ مثقال حبّة من خردل نأتي به ونزنه بالميزان الملائم لنوعه.
وبعد ذلك نحاسب كلّ إنسان بحسب ما قدّم في رحلة امتحانه، وَكَفى بِنا حاسِبِينَ: أي: وكفى بنا عادّين، ومحصين، ومقدّرين لكلّ شيء كبيرا كان أم صغيرا ودقيقا.
الباء في بِنا: حرف جرّ زائد في الفاعل المظهر، وهذه الزّيادة تأتي كثيرا بعد"كفى". أي: ونحن نكفي عن كلّ حاسب، حالة كوننا حاسبين، بالجمع، مراعاة لضمير المتكلّم العظيم.
وبهذا انتهى تدبّر الدّرس السّابع من دروس سورة (الأنبياء) .
والحمد للّه على معونته، ومدده، وتوفيقه، ومنّته، وفتحه.