معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 335
فاستجبنا له دعاءه، فنجّيناه ونجّينا أهله من كيد قومهم أن يتخلّصوا منهم، بألطافنا الخفيّة، ونصرناه حامين له من القوم الّذين كذّبوا بآياتنا الإعجازيّة، وآياتنا البيانيّة الّتي أنزلناها عليه، وهم قومه عليه السّلام الّذين لبث فيهم ألف سنة إلّا خمسين عاما، واستمرّ منذ بعثته حتّى أواخر إقامته فيهم يدعوهم إلى دين اللّه الحقّ، ونبذ الشّرك وعبادة الأوثان، فلم يستجب له منهم إلّا قليل، ومن المستجيبين له أهله باستثناء واحد من أبنائه عليه السّلام، فإنّه كان كافرا معتزلا، فقال اللّه له بشأنه إنّه ليس من أهلك، إنّه عمل غير صالح، حين قال نوح عليه السّلام لربّه: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي. وباستثناء زوجته أيضا، الّتي ماتت كافرة.
ووصف اللّه عزّ وجلّ قوم نوح عليه السّلام بقوله:
إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ ... (77) :
السّوء: كلّ ما هو قبيح من فكر، أو اعتقاد، أو خلق، أو عمل، أو شيء مادّيّ كريه.
وإضافة لفظ"قوم"إلى لفظ"سوء"يدلّ على أنّ كلّ حركاتهم الاختياريّة الظّاهرة والباطنة تكاد تنحصر بما هو قبيح، فلا خير فيهم، ولا علاج لهم إلّا الإهلاك والإبادة العامّة، ولهذا أهلكهم اللّه عزّ وجلّ وأبادهم بالطّوفان العامّ، فقال بشأنهم:
فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (77) أي: بغير استثناء أحد منهم.
أجمعين: حال من أغرقناهم.
وبهذا انتهى تدبّر الدّرس الحادي عشر من دروس سورة (الأنبياء) .
والحمد للّه على معونته، ومدده، وتوفيقه، ومنّته، وفتحه.