فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 347
ونادى أيّوب عليه السّلام ربّه مستعيذا به من الشيطان، فقال في دعائه ما جاء بيانه في سورة (ص/ 38 نزول) بقول اللّه تعالى:
وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (41) :
النّصب: التّعب والمشقّة والإعياء. والمراد بالعذاب: العذاب النّفسيّ الّذي مسّه من وساوس الشّيطان.
ثم نادى عليه السّلام ربّه ليرفع عنه بلاءه، وقال في دعائه ما جاء بيانه في سورة (الأنبياء/ 73 نزول) بقول اللّه تعالى:
وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) :
أي: وضع في ذاكرتك أيّها المتلقّي لبيان ربّك؛ ما دعا به أيّوب- عليه السّلام- ربّه ليرفع عنه الضّرّ الّذي مسّه وطال أمده فيه، حين قال في دعائه لربّه:
أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) بفتح الهمزة من"أنّي"، على تقدير حذف حرف الجرّ"الباء". وتأدّب مع ربّه عزّ وجلّ بعبارة:
"مَسَّنِيَ الضُّرُّ"، ولم يقل:"أصابني الضّرّ"، مع أنّه فقد أهله وماله وصحّته. فالمسّ يعبّر به عن الإحساس الخفيف بالشّيء الملاصق.
وعبارة: وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فيها دلالة بالكناية عن طلب رفع ما نزل به من بلاء وضرّ.
فاستجاب اللّه عزّ وجلّ دعاءه، وزاده منه فضلا، وقال في بيان هذا بضمير المتكلّم العظيم:
فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (84) :
فَاسْتَجَبْنا لَهُ: أي: دعاءه الّذي دعاه بأسلوب الكناية في اللفظ.
ومعنى"استجاب له": قبل تحقيق ما طلب في دعائه.