معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 213
لا يخطر في باله ما يكون الداعي فيه من حرص شديد على المصلحة العامّة فيما يرى.
أمام مثل هذا الموقف لا بدّ من بيان المنهج الأسدّ والأرشد، تعليما لحملة الرّسالة، دعاة ومعلّمين، وناصحين مرشدين، وآمرين بالمعروف، وناهين عن المنكر.
وقد يكفي من العناية بالضعيف السّائل بيان العذر له، ومطالبته بأن يتريّث قليلا، مع تطييب خاطره، وإشعاره بأنّه محلّ عناية وتكريم، إلّا أنّ الظرف الحاضر لا يسمح بقطع عمل سابق، والاشتغال بغيره قبل الفراغ منه، مراعاة لوظائف الرّسالة المختلفة.
أمّا تركه، والإعراض عنه، وإظهار كراهيّة مسألته وما كان منه من مقاطعة لحديث بينه وبين شخص آخر، فهو أمر يكسر قلبه لا محالة، ولا سيما إذا كان أعمى لا يرى الظّرف المحيط بحامل الرّسالة.
وكان هذا الحدث الذي ورد في روايات قصة سبب النزول سببا في معاتبة اللّه لرسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بقرآن يتلى.
وعتاب اللّه لرسوله يتضمّن توجيها لما هو الأفضل والأكمل، ويقع في مرتبة البرّ، أو في مرتبة الإحسان، بالنسبة إلى أساليب تأدية وظائف الرّسالة الرّبانية، إذ لم يكن من الرّسول في هذه القصّة ما ينافي في مرتبة التّقوى، بل كان يقوم بعمل عظيم من أعمال وظائف رسالته، ضمن حدود ما أذن اللّه له به من اجتهاد، لكن اللّه عزّ وجلّ أبان لرسوله، ولكلّ حاملي رسالته من أمّته، في هذا التعليم المنهج الأفضل والأحسن في تأدية وظائف الرّسالة الرّبّانيّة، والذي سيأتي إن شاء اللّه شرحه لدى تدبّر النصّ.