معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 344
خضوعا تامّا لما يجريه اللّه فيها بسلطان الجبر، وكذلك سائر الأكوان:
"الشمس والقمر والنجوم والجبال والشّجر والدوابّ"كلّها ساجدة للّه(أي:
خاضعة للّه خضوعا تامّا بسلطان الجبر). أمّا الجانب الاختياري الإراديّ من الناس، فكثير من الناس ساجدون للّه أيضا سجودا اختياريّا إراديّا، وكثيرون آخرون غير ساجدين سجودا اختياريا لبارئهم، وهؤلاء قد حقّ عليهم العذاب، وسيهينهم اللّه لأنّهم استكبروا عن السجود الاختياريّ الإراديّ له، مع سجود سائرهم له سجودا جبريا.
السجود: هو كمال الخضوع، ومن تعبيراته لدى ذوي الإرادات وضع الجبهة على الأرض خضوعا للّه.
واقتضت المناسبة في السورة تكرير الاستشهاد بظاهرة حركة الأرض حول نفسها باتجاه الشمس، وهي الحركة التي يتسبّب عنها دوران النهار واللّيل حول كرة الأرض.
وجاء التعبير عن هذه الظاهرة، بعرض صورة المشهد، لمن يشاهد من جوّ الأرض تلاحق اللّيل والنهار، فيتخيّل أنّ اللّيل يلج في النّهار كما تبلع الحيّة العريضة البيضاء الّتي يستوعب عرض فمها عرض الأفق، الحيّة العريضة السوداء من جهة ذيلها العريض الذي هو على قدر فم البيضاء، هذا من جهة شروق الشمس، أمّا من جهة غروب الشمس فالحيّة السّوداء هي الّتي تبتلع الحيّة البيضاء ذات الجسم العريض كعرض الأفق، وتدور دائرتهما والجا ومولوجا به.
وفي هذا تنبيه أدبيّ بديع على صورة هذا المشهد العجيبة.
وقد يكون المراد بالولوج تناقص زمن اللّيل أحيانا لحساب طول النهار، وتناقص زمن النهار أحيانا لحساب طول اللّيل، واللّه أعلم.