فهرس الكتاب

الصفحة 1048 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 359

وحين يكون اللّعن موجّها من اللّه عزّ وجلّ، فهو الطّرد والإبعاد عن رحمة اللّه.

أقول: لكنّ الطّرد والإبعاد لا يستلزمان أن يكونا أبديّين، فقد يطرد المطرود ويبعد مؤقتا لجرم أصابه، ثمّ يتوب، فيعاد إلى منازل القرب، وتشمله دائرة الرّحمة الرّبّانيّة الّتي وسعت كلّ شيء لديه قابليّة ما لأن تمطر عليه شآبيب الرّحمة، أمّا من حجب نفسه بجحوده وجرائمه، فهو الذي اختار لنفسه أن يحرمها من خيرات رحمة ربّه.

لكنّ من يقتل فقد حكم عليه بالطّرد والإبعاد الأبديّين، فمن توجّه له عبارة: [قتل] في القرآن، فقد نصّ البيان الرّبّانيّ على أنّه مطرود مبعد أبديّا، عن مدى رحمة اللّه الّتي وسعت كلّ شيء.

وفي هذا دلالة على أنّ جريمته قد بلغت أقصى الجرائم، وأنّه أمسى ميؤوسا من عودته إلى أيّ منزل من المنازل المشمولة برحمة اللّه جلّ جلاله، ومستحقّا للخلود الأبديّ في عذاب اللّه، وجهنّم هي مصيره الذي هو صائر إليه.

وبهذا ندرك أنّ استعارة فعل (قتل) للدّلالة على الطّرد الأبدي، قد تضمّن باللّزوم العقلي الكناية عن القضاء بالتعذيب الأبديّ في جهنّم، دار خلود الكفرة المسرفين في الجحود، وفي ارتكاب كبريات الجرائم، وهم الأشقون الذين يعذّبون فيها بعذاب الحريق.

ولهذا لم تأت عبارة [قتل] في القرآن الكريم إلّا في أربع سور مكيّة:

(1) فقد جاءت في سورة (المدثر/ 74 مصحف/ 2 نزول) بشأن الوليد بن المغيرة، الّذي فكّر في القرآن وقدّر، وعلم في قرارة قلبه أنّه لا يقول مثله بشر، لكنّه أدبر واستكبر وكفر، وزعم أنّه سحر يؤثر، وقال:

إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) ، فحقّ عليه أن يقول اللّه عزّ وجلّ بشأنه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت