معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 403
ففي ذكر مهابط الوحي إشارة إلى الوحي، ومضمون الوحي رسالات ربّانيّة للناس، يبلّغها أنبياء مرسلون، وفي هذه الرّسالات الرّبّانيّة كتب منزّلة من عند اللّه العليم العزيز الحكيم الرحيم. وكلّ هذه أمور عظيمة جليلة، تستحقّ أن يقسم اللّه عزّ وجلّ بها، لما فيها من آيات حكمته العظيمة.
وممّا يظهر لكل متدبّر أنّ القسم بالرّسالات الرّبّانيّة للناس، يشير ضمنا إلى أنّها رسالات عظيمات جليلات، إذ هي تهدي للّتي هي أقوم، وبسبب ذلك استحقّت أن يقسم اللّه بها، ليدلّ بقسمه بها على رفيع مكانتها، وعظيم شأنها، وحسنها وكمالها، وأنّها حقّ وخير، وأنّها السّبيل الأقوم للناس.
* قول اللّه تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) :
هذا هو المقسم عليه بمهابط الوحي، إنّه التأكيد على أنّ اللّه جلّت قدرته، وعظم سلطانه، وسمت حكمته، قد خلق الإنسان في أحسن تقويم.
إنّ الإشادة بالرّسالات الجليلات الّتي أنزلها اللّه عزّ وجلّ على رسله، تستدعي تساؤلا مفاده: لماذا جعل اللّه هذه الرّسالات بهذا الكمال والحسن، ومشتملة على الهداية للّتي هي أقوم؟
وقد جاء المقسم عليه مشيرا إلى الجواب المسؤول عنه.
والمعنى: أنّ مخلوقا يخلق في أحسن تقويم يحتاج رسالات ربّانيّة عظيمة جليلة، تهدي هذا المخلوق للّتي هي أقوم، لتناسب الرّسالة ذات الصّراط الأقوم حال هذا المخلوق الذي اختير له أحسن تقويم في خلقه.
إذ من صفات هذا المخلوق الذي هو الإنسان: أنّه ذو حياة، وذو قدرة يمدّه اللّه بها، وذو إرادة حرّة، وله صفات السّمع والبصر، وسائر الحواسّ الظاهرة والباطنة، ولديه القدرة على التعلّم واكتساب المعارف وتدبير الأمور، واستنتاج الأسباب من مسبّباتها، والنّتائج من مقدّماتها،