معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 412
تمهيد:
التدبّر المتأنّي العميق لآيات الدرس الأول من درسي السورة، هدى إلى استخراج المفهومات التاليات استنباطا من لوازم الدلالات المباشرات للألفاظ:
المفهوم الأول: الرّسالات الرّبّانيّة العظيمة، الّتي استحقّت لعظمتها أن يقسم اللّه بمهابط الوحي بها، إشارة إلى مجدها وسموّ هدايتها للتي هي أقوم، وإشادة به، قد أنزلت للإنسان الّذي خلقه اللّه في أحسن تقويم، بدلالة أنّه هو المقسم عليه.
المفهوم الثاني: الإنسان قد خلقه اللّه عزّ وجلّ في أحسن تقويم، ليسكنه خالدا مخلّدا في أحسن مسكن، تكريما لما منحه في خلقه من كمالات، وهي جنّات النّعيم ذات المراتب والدرجات المتفاضلات، والّتي يقع في ذروتها الفردوس الأعلى، بشرط أن يمرّ في رحلة امتحان يثبت فيها استحقاقه وأهليّته مع رحمة ربّه وفضله عليه لما كرّمه خالقه به، وللخلود في دار كرامته.
المفهوم الثالث: الإنسان الّذي يثبت امتحانه عدم استحقاقه الخلود في دار كرامة اللّه له، أو يثبت امتحانه أنّ حكمة اللّه تقضي بحاجته إلى التطهير بمقدار ما من العذاب، قبل التفضّل عليه بالخلود في دار كرامة اللّه، قد خلق اللّه له في مقابل دار كرامته، دار عذاب، ذات دركات متنازلات، ويقع في أحطّها وأخسّها الدّرك الأسفل، الذي يستحقّ الخلود فيه معذّبا بأشدّ أنواع العذاب أسفل السّافلين.
المفهوم الرابع: حكمة اللّه أحكم الحاكمين تقتضي لا محالة أن يكون الدّين (أيّ الجزاء) ثمرة امتحان ذوي الإرادات الحرّة الّتي منحهم الخالق إيّاها، ليعبروا رحلة امتحانهم الأمثل دون جبر ولا إكراه.
والجزاء لا بدّ أن يكون مسبوقا بالسّؤال، والحساب، وفصل القضاء.