معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 413
المفهوم الخامس: الجزاء الّذي تقتضيه حكمة الابتلاء (أي: الامتحان) غير متحقّق كما ينبغي له في ظروف الحياة الدنيا، فلا بدّ إذن أن نفهم أنّ حكمة أحكم الحاكمين خالق الإنسان في أحسن تقويم، قد قرّر في خطّته إيجاد حياة أخرى بعد ظروف الحياة الدنيا، وهذه الحياة الأخرى معدّة لتحقيق الجزاء الأمثل بالفضل في دار الكرامة والنّعيم، أو بالعدل في دار للإهانة والعذاب.
وقد سمّى اللّه زمن هذه الحياة الأخرى: يوم الدّين، أي: يوم الجزاء. وسمّاه اليوم الآخر، وسمّى دار الإقامة فيه الدّار الآخرة.
المفهوم السادس: لمّا كان الإنسان المخلوق في أحسن تقويم، لا بدّ أن يمرّ رحلة الابتلاء لتمييز أفراده، وقد أنزل اللّه الرّسالات الّتي تبيّن له مطلوب اللّه منه، في هذه الرّحلة الاختباريّة.
ولمّا كان من أفراد هذا الإنسان من يكذّب بيوم الدّين، ولا يصدّق بشأنه ما جاء به المرسلون الّذين يبلّغون رسالات ربّهم.
كان من الحكمة العلاجيّة العقليّة، أن يخاطب اللّه عزّ وجلّ هؤلاء المكذّبين بالدّين، بأسلوب الخطاب الإفراديّ، كما جاء في الدّرس الثاني من درسي السّورة.
فقال اللّه عزّ وجلّ خطابا لكلّ مكذّب بالدّين، بأسلوب الخطاب الإفراديّ.
فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (8) :
أي: أيّ شيء يحملك فيجعلك تكذّب بالدّين، أي: بالجزاء الّذي تقتضيه حكمة أحكم الحاكمين، يا أيّها الإنسان ذو الفكر القادر على إدراك الحقّ بأدلّته، بعد أن خلقك ربّك في أحسن تقويم.