معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 417
فمن غير المقبول عقلا أن يخلقك اللّه بصفاتك الّتي منحك إيّاها، وفضّلك بها على سائر خلقه، والّتي تستطيع بها أن تكون طاغيا جبّارا، وفاجرا كفّارا. والّتي تستطيع بها أن تتكبّر وتتعاظم، حتّى تدّعي الرّبوبية، وتكلّف أمثالك من النّاس أن يعبدوك وتجعل نفسك إلها على الناس من دون اللّه.
من غير المقبول عقلا أن يتركك خالقك بعد ذلك سدى، فلا يحاسبك، ولا يجازيك، وهو سبحانه أحكم الحاكمين.
إنّه لو كان الأمر كذلك، لكانت عمليّة الخلق كلّه عبثا، ولهوا ولعبا.
لكنّ أحكم الحاكمين منزّه عن العبث، وعن اللّهو واللّعب.
وهذا الذي يهتدي إليه أولوا الألباب، قد جاء بيانه والإرشاد إليه بتفصيل في عدّة آيات من القرآن المجيد:
(1) فقال اللّه عزّ وجلّ في سورة (القيامة/ 75 مصحف/ 31 نزول) :
أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (36) ؟!
سُدىً: أي: مهملا غير مكلّف ولا مسؤول، وغير موضوع موضع الابتلاء في ظروف الحياة الدنيا، وغير محاسب ولا مجازى.
(2) وقال اللّه عزّ وجلّ في سورة (الدخان/ 44 مصحف/ 64 نزول) :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (38) ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (39) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40) .
(3) وقال اللّه عزّ وجلّ في سورة (الأنبياء/ 21 مصحف/ 73 نزول) :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (17) .