معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 422
وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) .
وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ: أي: وضع في ذاكرتك أيّها المتلقّي أنّنا هيّأنا مكان البيت لإبراهيم، وكشفنا له عن معالمه، وأعلمناه به، ومكنّا له فيه، ليرفع قواعده وجدرانه، ويجعله بيتا للّه يحجّ النّاس إليه، ويكون لهم مثابة وأمنا، مطهّرا من الشّرك والرّجس من الأوثان، ومن الكفر والفسوق والعصيان.
يقال لغة: بوّأه المكان، أي: أنزله فيه. وبوّأ المنزل له، أي: أعدّه وهيّأه له، ويدخل في هذا الإعلام به وكشف معالمه.
ويمكن أن نفهم من تعريف البيت بأداة التعريف"ال"أن تكون للعهد العلميّ، فيكون فيها دلالة على أنّه قد كان قديما بيتا لعبادة اللّه لأمم سالفة قبل إبراهيم عليه السّلام، ويؤكّد هذا الفهم قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (آل عمران/ 3 مصحف/ 89 نزول) :
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (96) .
بكّة: اسم من أسماء مكة البلد الحرام، سمّيت بهذا الاسم لأنّها كانت تبكّ أعناق الجبابرة إذا ألحدوا فيها بظلم، أي: تدقّ أعناقهم وتكسرها، وقيل: لأنّها مكان ازدحام الناس حول بيت اللّه فيها، يقال لغة:
بكّ الرّجل صاحبه يبكّه بكّا، أي: زاحمه. وبكّ فلان يبكّ بكّة، أي: زحم ودخل في الناس بقوّة، وتباكّ القوم، أي: تزاحموا.
ومعلوم أنّه قد كان في الناس قبل إبراهيم عليه السّلام أمم مكلّفة أن تعبد اللّه وحده، ولها بيوت عبادة يعبدون اللّه عزّ وجلّ فيها، وهذه الآية تنصّ على أنّ أوّل بيت وضع للنّاس، هو بيت اللّه الحرام في مكّة.
وأمن مكّة البلد الحرام قد تناول ظاهرتين: