معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 433
وقد كان لقريش إيلاف ذو امتداد واسع مع ملوك الرّوم، وفارس، والحبشة، وملوك حمير في اليمن، وقد سخّر اللّه لقريش هذا الإيلاف، وألهم الملوك الموافقة عليه، من أجل بلده الحرام، وبيته المطهّر فيه، واستجابة لدعاء خليله إبراهيم عليه السّلام، بأن يجعل هذا البلد آمنا، وبأن يرزق أهله المؤمنين من الثمرات، لكنّ اللّه في استجابته لم يخصّ الرّزق بالمؤمنين، بل جعله شاملا من آمن ومن لم يؤمن في الحياة الدنيا، وأخّر معاقبة الذين كفروا إلى يوم الدّين، إلّا من تقضي الحكمة إنزال العقاب العاجل به أيضا مع العقاب الآجل، كالذين تعرّضوا للعقاب العاجل من مشركي قريش بعد بعثة الرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم.
وقد صنع هذا الإيلاف لقريش سادتها بنو عبد مناف الأربعة، وهم"هاشم، وعبد شمس، والمطّلب، ونوفل"على ما نقل ابن منظور عن ابن الأعرابي، قال:"أصحاب الإيلاف أربعة: هاشم، وعبد شمس، والمطّلب، ونوفل، بنو عبد مناف، وكانوا يؤلّفون الجوار، يتبعون بعضه بعضا، يجيرون قريشا بميرهم، وكانوا يسمّون المجيرين."
* فأمّا هاشم: فإنّه أخذ حبلا من ملك الرّوم.
* وأمّا نوفل: فإنّه أخذ حبلا من كسرى (أي: من ملك فارس) .
* وأخذ عبد شمس حبلا من النجاشي (أي: من ملك الحبشة) .
* وأخذ المطّلب حبلا من ملوك حمير (أي: ملوك اليمن) .
فكان تجّار قريش يختلفون إلى هذه الأمصار بحبال هؤلاء الإخوة فلا يتعرّض لهم"."