فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 434
وقال ابن الأعرابيّ أيضا:
"كان هاشم يؤلف إلى الشام، وعبد شمس يؤلف إلى الحبشة، والمطّلب إلى اليمن، ونوفل إلى فارس"
قال ابن الأنباريّ:"و معنى آلف إيلافا، هو من"يؤلفون"أي: يهيّئون ويجهّزون".
أقول: ما ذكره ابن الأعرابيّ أبين للواقع المعهود، مع صلة الكلمة بمعناها اللّغويّ. ويشهد لهذا ما روي عن ابن عباس، قال:"و قد علمت قريش أنّ أوّل من أخذ لها الإيلاف لهاشم. الإيلاف العهد والذّمام، كان هاشم بن عبد مناف أخذه من الملوك لقريش".
ومن هذا نستطيع أن نؤكّد أنّ الإيلاف قد صار عند القرشيّين قبل الإسلام عنوانا على هذه الوسيلة التأمينيّة الناجحة، لرحلاتهم التجاريّة الّتي كانت تجلب لهم خيرا ورزقا واسعا، مع أمن الطريق والدّخول إلى بلدان الدّول والخروج منها، ذاهبين وآيبين شتاء وصيفا، يجتازون جنوبا إلى اليمن فالحبشة، وشمالا وشرقا وغربا إلى الشام والعراق وفارس ومصر في أسفار تجاريّة واسعة، وقد يتوغّلون حتّى الهند.
وهذا يدلّ على أنّ أهل مكّة قد كانوا تجّارا يضربون في مناكب الأرض آمنين في رحلاتهم التجاريّة، ويتّصلون بمعظم الممالك المتحضّرة يومئذ، ويفدون على ملوكها، ويقدّمون لهم الهدايا، ويعقدون معهم عهود تأمين، وتمكين من القيام بأعمال توريد وتصدير للسّلع التجاريّة، فكانت مكّة مركزا تجاريّا ثقيلا، وكانت أسواق مكّة تزدحم بالتّجّار وافدين إليها من مختلف البلاد والقبائل العربية.