معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 121
وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ....
أي: وإنّ جنود ربّك أيّها الصالح للخطاب أيّ مخاطب كنت كثيرون جدّا، ما يعلمهم في أشخاصهم ولا في أعدادهم إلّا ربّك وحده جلّ جلاله، الذي هو ربّ كلّ شيء، فلا يعلمهم جميعا ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل.
فلا تحسبوا أيّها المستهزئون بعدّة خزنة"سقر"أنّ جنود اللّه جلّ جلاله منحصرون في التّسعة عشر المأمورين بالإشراف على التعذيب فيها، فجنود اللّه لا يعلمهم إحصاء إلّا الرّبّ جلّ جلاله.
ويدرك المتدبّر أنّ كلّ أنواع الرّجز الّتي عذّب اللّه بها بعض عباده في الحياة الدنيا، كالجراد، والقمّل، والطاعون، والفيروسات المضنيات والقاتلات، هي من جنود اللّه.
والعاقل يقيس أحوال الآخرة على أحوال الدّنيا، في الحدود الدّنيا، ثمّ يطلق للتّصوّر أن يزيد في أحوال الآخرة دون حدود تقف عندها الزيادات التصوّريّة أو التخيّليّة.
السؤال الثاني: إنّ ذكر"سقر"الّتي خوّف اللّه عباده الكافرين من عذابها، وما اقترن بذكرها من عدّة الملائكة المشرفين على التعذيب فيها، ومن كونها لوّاحة لجلود المعذّبين بلهبها، بيان خبريّ غير مشهود الذّات، وغير مدرك بالحواسّ الظاهرة، فهي أمر من أمور المستقبل غير المشهود، وهي بيان نظريّ غير مقترن بالتطبيق المشاهد، فما قيمة التّخويف بشيء مهول غير منظور؟؟!
وجاء الجواب القرآنيّ على هذا السّؤال بقول اللّه عزّ وجلّ:
* وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ.