معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 122
أي: وليست البيانات القرآنيّة عن"سقر"وما فيها من عذاب شديد للكافرين، بيانات لمخلوقات لا تفكير لديها، ولا عقل يعقل تصرّفاتها، كالأنعام والبغال والحمير وغيرها من البهائم والدّوابّ الّتي تنحصر مدركاتها غالبا بالحسيّات.
بل هذه البيانات عنها تذكير للبشر، الّذين يدركون بأجهزة التفكير لديهم كثيرا من الغيبيّات الموجودة في هذا الكون العظيم الواسع جدّا، بأدلّة فكريّة عقليّة، ويدركون الغيبيّات المستقبليّة الّتي تأتيهم بها الأخبار الصادقة عن الرّبّ الّذي آمنوا به ربّا خالقا، وتدلّهم الأدلّة الفكريّة العقليّة على وجوب الإيمان برسله المؤيّدين منه بالمعجزات الباهرات، ووجوب الإيمان بما يبلّغونه عن ربّهم جلّ جلاله.
فهذه البيانات بيانات للبشر، لا للحمير والبقر وأمثالهما، فمن علم أنّه بشر خلقه اللّه في أحسن تقويم، فإنّ عليه أن يجعل هذه البيانات الرّبّانيّة مذكّرة له دواما.
كلمة (ذكرى) تأتي دالّة على ثلاثة معاني:
(1) إنّها تأتي بمعنى"التذكير"إذ هي اسم له، ومعلوم، أنّ البيان في القرآن عن"سقر"فيه معنى التذكير آخرا، بعد الإخبار أوّلا، أي: يأتي الإخبار بمضمون البيان أوّلا، والمطلوب من المتلقّي أن يكون متذكّرا له دواما، ليأخذ حذره، ويبتعد عن مسبّبات دخول"سقر"في كلّ أحواله وتصرّفاته الإراديّة.
(2) وتأتي"الذكرى"بمعنى"التّذكّر"ومعلوم أنّ العاقل الرشيد الذي يدرك بأدوات المعرفة لديه ما هو مخيف مرعب، يترصّد السالك في أحد سبل الضلالة، فإنّه يجعله دائما في ذاكرته، فيحذر سلوك سبل الضلالة.
(3) وتأتي"الذكرى"اسما للتّذكرة، وهي الوسيلة الّتي تتّخذ للتذكير، كالبطاقة الّتي تذكّر بموعد أو شيء ما، وكالرّتيمة التي توضع في الإصبع للتذكير.