معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 519
ثُمَّ كانَ عَلَقَةً: أي: ثمّ كان الإنسان علقة. العلقة في اللّغة: قطعة من الدّم المتجمّد، وهي في فهم الأطبّاء المعاصرين المرحلة الّتي تتحوّل إليها النّطفة الأمشاج، فتكون شيئا يعلق بجدار الرّحم ويتشبّث فيه، وهذه تكون محاطة بالدّم المتخثّر المتجمّد، وفهم ما جاء في الآية على ما اكتشفه علماء الأجنّة، هو الّذي ينبغي المصير إليه، وفي اللّغة ما يؤيّده.
وجاء العطف بحرف العطف ثُمَ للدّلالة على أنّ طور العلقة تسبقه أطوار تتلو طور النّطفة، وهذه الأطوار تكون بين النطفة والعلقة.
وبعد التّنبيه على طور النّطفة، وطور العلقة، جاء في النّصّ اختيار طور الخلق فالتّسوية، فقال اللّه عزّ وجلّ:
فَخَلَقَ فَسَوَّى:
أي: فخلقه اللّه ربّه فسوّاه. حذف فاعل"خلق"ومفعول"سوّى"إيجازا للعلم بهما.
والمعنى: فصوّر اللّه أعضاء الجنين الإنسانيّ الظاهرة والباطنة. وميّز خلق كلّ واحد منها، ووضع كلّ جزء في مكانه المقدّر له، فجعلها مستوية مضبوطة بضابط العدل.
التّسوية: إحكام مقادير أجزاء المخلوق المصوّر، وجعله يتدرّج متكاملا حتّى يبلغ الغاية المقضيّة له في خطّة التكوين، وتكون التّسوية بإعطاء كلّ شيء خلقه بالعدل، أي: بإعطاء كلّ عضو وكلّ جزء من أجزاء المخلوق أو المصنوع من العناصر والصفات، ما يجعله صالحا مؤدّيا وظيفته دون زيادة ولا نقصان.
وكلّ من الخلق والتّسوية لا بدّ أن يكونا مسبوقين بتقدير وقضاء في خطّة التّكوين.