معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 557
النّشر: البسط والمدّ وتوسيع وجود الشّيء أو أجزائه في أماكن متعدّدة بحسب قوّة النّشر والمدى الّذي يصل إليه.
والرّياح الناشرات: هي الّتي تنشر بخار الماء وتكوّن منه السّحب، وتنشر نويات اللّقاح وغبار الطّلع فيكون بنشرها تلقيح الثمرات الّتي يتطلّب نضجها للانتفاع بها لقاحا، وتنشر بزور النباتات لتحقيق منافع للأحياء في مواضع مختلفة من الأرض، وتنشر الرّوائح، وتنشر الغازات.
وبأدائها هذه الوظيفة الّتي جعلها اللّه لها تجتمع بحكمة اللّه متباعدات فيحصل باجتماعها خير للعباد، وتتفرّق بحكمة اللّه مجتمعات، فيحصل بتفرّقها خير للعباد، ولو لا نشر الرّياح بقضاء اللّه وقدره لقتلت بعض الرّوائح، والغازات الضّارّات السّامّات الأحياء الموجودين في أمكنة تجمّعها.
نشرا: مفعول مطلق لتأكيد الحدث الذي دلّ عليه اسم الفاعل:
"الناشرات"وللدلالة على قيمة وظيفتها.
* قول اللّه عزّ وجلّ: فَالْفارِقاتِ فَرْقًا (4) أي: فأقسم بالرّياح الفارقات بين الأشياء الّتي تحملها عقب نشرها، فتوزّعها بحسب مقتضيات حكمة الرّبّ موجّهها ومسيّرها.
يقال لغة: فرق بين الشيئين يفرق فرقا وفرقانا، أي: فصل وميّز أحدهما من الآخر. وفرق الشّيء، أي: قسمه.
فالرّياح الفارقات: هي التي تفصل الأشياء الّتي تحملها، وتميّز كلّ نوع وصنف منها، وتوزّعه بحسب مقتضيات حكمة الرّب جلّ جلاله. فهذا للّقاح، وهذا للاتّحاد مع غيره، وهذا لتغذية النّبات، وهذا للزّرع، وهذا للرّزق، وهذا لرميه في القمامات، وهذا، وهذا، وهذا، إلى أمور كثيرة يتعذّر علينا إحصاؤها.