معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 132
وإذ يتمّ الاتصال بين أهل اليمين والمجرمين وهم في داريهما على الرّغم من المسافات الشاسعات بين الفريقين، فإنه يجري الحوار بينهما، وقد جاء التعبير القرآنيّ على شكل حوار جرى فعلا ومضى زمانه، لتأكيد تحقّق أنّه سيقع في المستقبل حتما، فالآتي في المستقبل حتما كالواقع فيما مضى، كلاهما ينطبق عليه أنّه صدق وحقّ.
ويكون الحوار كما يلي:
* قال أصحاب اليمين للمجرمين: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) ؟! أي: ما أدخلكم في دار العذاب"سقر"؟
السّلوك في الشيء الدخول فيه وعبوره، ويقال أيضا: سلك الشيء في الشيء إذا أدخله فيه، وجعله يعبره.
* قال المجرمون وهم في سقر: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) .
* لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ:
أي: لم نكن من المؤمنين الذين يصلّون لربّهم، وهذا البيان هو بمثابة اعتراف منهم بأنّهم لم يكونوا يعرفون الصّلة باللّه ربّهم، ولا يؤدّون واجب الخضوع له في قيام بين يديه، وركوع وسجود له، ولم يكونوا يدعونه إلّا وهم به مشركون.
وندرك من هذا أنّ الصّلاة للّه عزّ وجلّ ذات أهميّة عظمى في الدين، إذ أوّل ما يذكره أهل سقر مبيّنين سبب دخولهم فيها أنّهم لم يكونوا من المؤمنين المصلين.
وبالتأمّل ندرك أنّ أوّل تعبير عمليّ عن إيمان المؤمن بربه وإسلامه له أن يكون من المصلّين، الذين يدعونه لا يشركون به شيئا، ويعلنون خضوعهم له بالوقوف أذلّاء بين يديه، والركوع والسجود له.