فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 133

ودلّ حذف النون من"لم نكن"وهو وجه جائز في العربية، على أنّهم في منازلهم في سقر يوجزون عباراتهم إيجازا شديدا، حتّى بحذف حرف لا يؤثّر حذفه على المعنى الذي يريدون التّعبير عنه، فحال من يكون في العذاب حال ضجر وتذمّر وعدم رغبة في القول إلّا عند مقتض شديد يقتضي منهم أن يطلبوا شيئا أو يجيبوا على سؤال مهمّ.

* وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) .

أي: ويعترفون بأنّهم كانوا في علاقاتهم الاجتماعيّة وواجباتهم الإنسانيّة تجاه الجائعين المساكين أشحّاء بخلاء، لا تتحرّك قلوبهم نحوهم بعاطفة إنسانيّة، ولا تندى برحمة.

إنّ حاجة الجائع إلى الطعام من أشدّ حاجات الحياة، ويشعر بها كلّ إنسان، فإذا وجد من عنده طعام إنسانا جائعا حقّا، وهذا الجائع لا يملك ما يسدّ به جوعه وحاجته إلى الطعام، كمسكين يعلن عن حاجته وجوعه، ويظهر من حاله فقره وحاجته، ثمّ لم يسعفه بالإطعام، فإنّه يكون أبخل النّاس، لا رحمة في قلبه، فهو يستحقّ أن يعامل بالمثل فلا يرحمه ربّه يوم الدين.

ومن لا يجد في نفسه دافعا لإطعام المسكين دون مكافأة يرجوها منه، فإنّه لن يكون لديه دافع لعطاء نافع ينفع به غيره من الناس ابتغاء وجه اللّه، وطلب مرضاته.

فدلّت هذه العبارة على أنّهم لم يكن منهم خير للنّاس في علاقاتهم الاجتماعية.

واختير الإطعام لأنّه من أشدّ حاجات الناس الضرورية.

واختير الجائع المسكين لأنّه كاشف نفسه، متعرّض لمن يطعمه، يستعطف قلوب الرحماء، وليس هو من الفقراء المتعفّفين الّذين لا يسألون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت