معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 134
الناس، فيحسبهم الجاهلون أغنياء من التعفّف، فالفقير المستور الجائع المجهول الحال قد يعذر عند اللّه من لم يطعمه ولو كان قريبا منه.
المسكين: هو من يظهر الفقر، ولو لم يكن في واقع حاله الخفيّ فقيرا.
أمّا الفقير: فهو من كان في واقع حاله فقيرا، ولو لم يكن يظهر فقره وحاجته.
هذا ما انتهيت إليه في التفريق بين الفقير والمسكين.
وجاء هنا أيضا حذف نون"و لم نكن"فجاءت: وَلَمْ نَكُ وقد سبق بيان الحكمة البلاغيّة في هذا الحذف.
* وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (45) :
الخوض: هو في الأصل المشي في الماء وتحريكه، وبهذا التحريك تختلط الرواسب الراكدة بالماء، فيذهب صفاؤه، وتسوء حاله.
ثمّ استعمل الخوض بمعنى التلبّس بالأمر والتصرّف فيه بطريقة تشبه الخوض في الماء، والخوض من الكلام ما فيه الكذب والباطل.
إنّ نزلاء سقر يوم الدّين يعترفون بأنّهم كانوا في الحياة الدّنيا يخوضون مع الخائضين، فيخلطون الكذب والباطل في أقوالهم، ويخوضون في مخاضات المعاصي والآثام، ومحرّمات المظالم في الأنفس والأموال والأعراض، مع الخائضين من الظالمين والطغاة وقادة الشرّ والضلال في الأرض، ويشاركون أهل الشرّ والضّرّ والضّلال والفساد.
والتعبير بهذا الخوض يدلّ على أنّهم كانوا يقترفون كلّ الجرائم والآثام