معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 135
السّلوكية، التي كان الخائضون في الدنيا يقترفونها، دون خوف ولا وجل ولا حذر من عاقبة وخيمة، ولا عذاب أليم عند ربّهم.
* وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) .
أي: وكنّا نكذّب بما جاء عن ربّنا من أخبار يوم الدّين، يوم القيامة، والحساب، وفصل القضاء، وتنفيذ الجزاء، الّذي يكون به الإدانة على الأعمال الّتي سلفت أيّام رحلة الابتلاء.
إنّ تكذيبهم رسول ربّهم بنبأ يوم الدّين هو السّبب الرئيس الّذي جعلهم يقطعون الصّلة بربّهم فلا يصلّون له، وهو السّبب الذي جفّف منابع الرّحمة في نفوسهم فجعلهم لا يطعمون المسكين، فضلا عن بذل أي عون فوق ذلك لمجتمعهم الإنسانيّ، وهو السبب الذي جعلهم يخوضون في المعاصي والآثام وكبريات الجرائم مع أصناف الخائضين.
* حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (47) :
أي: حتّى أتانا يقين الموت الذي انكشف لنا عنده يقين يوم الدين الذي كنّا نكذّب به.
فهم يعترفون بأنّهم استمرّوا على أحوالهم التي وصفوها طوال رحلة امتحانهم، حتّى نزل بهم الموت، وانتهت مدّة الابتلاء، وبدأت رحلة زمن الدّينونة والجزاء.
وبما أنّهم قد ماتوا دون أن يقدّموا لأنفسهم في رحلة امتحانهم ما ينجيهم من عذاب ربّهم يوم الدّين، فإنّ نفوسهم لا تجد ما تتعلّق به غير احتمال أن تنفعهم عند ربّهم شفاعة شافعين لهم من إنس أو جنّ أو ملائكة، لكنّهم لن يجدوا من يشفع لهم عند ربّهم، ولو وجدوا من يشفع لهم فشفاعته لهم لا تنفعهم.