معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 581
ولا يصحّ أن يغيب عن تصوّرنا أنّ دورة الحياة والموت ظاهرة في تكرير إعادة النباتات من بزورها، وفي نشأة أجيال الأحياء من النّسل، فتأتي أحياء لم تكن، ثمّ يكون لها نسل، ثمّ تموت، وتنمو أنسالها في الحياة، ثم تفعل مثل أصولها، وهكذا تداولا حتّى تنتهي ظروف الحياة الدّنيا، ضمن خطّة الرّبّ الجليل العظيم الذي أحكم مقاديره، وأتقن كلّ شيء صنعا.
أَفلا تدلّ هذه الظّاهرة المتكرّرة الّتي تنشأ بها الحياة من الأرض ثمّ تعود إليها، على قدرة اللّه جلّ جلاله على بعث الموتى إلى الحياة الأخرى، للحساب، وفصل القضاء، وتحقيق الجزاء؟!!.
علما بأنّ الحياة في الأرض ليست من طبيعة الأرض، بل هي وافدة حديثة إليها، تتّخذ منها وعاء ولباسا، ثمّ تخرج من هذا الوعاء، وتخلع عنها هذا اللّباس، فيعود كلّ منهما إلى أصله ومصدره.
أَفلا تدلّ هذه الظّاهرة المدهشة المتكرّرة على أنّ المبدئ الّذي أحيا في الأولى، قادر على أن يعيد في الأخرى، ليحاسب، ويفصل قضاءه بين عبادة، وينفّذ جزاءاته جلّ جلاله وعظم سلطانه؟!!
أَفلا يدلّ الإبداع الحكيم الرّائع على أنّ المبدع سوف يعيد بحكمته وقدرته المكلفين من عباده إلى الحياة الأخرى، ليجري ما تبقّى من خطّته في خلق عباده الممتحنين المكلّفين في ظروف الحياة الدنيا؟!!.
قال اللّه عزّ وجل في سورة (طه/ 20 مصحف/ 45 نزول) بشأن الأرض:
* مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (55) .
هذه الآية تلقي الضّوء الذي يكشف للمتدبّر المراد بقول اللّه عزّ وجلّ في السورة التي نتدبّرها: