معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 582
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتًا (25) أَحْياءً وَأَمْواتًا (26) .
وقد أدرك"أبو العلاء المعرّي"أنّ سطح الأرض فتات من أجساد الآباء والأجداد، تداولت عليها حيواتهم فقال:
خفّف الوطء ما أظنّ أديم الأرض ... إلّا من هذه الأجساد
ربّ لحد قد صار لحدا مرارا ... ضاحك من تزاحم الأضداد
* قول اللّه تعالى: وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ ... (27) :
أي: وجعلنا في الأرض جبالا رواسي شامخات.
رَواسِيَ شامِخاتٍ وصفان لموصوف محذوف يعلم من ذكرهما مع قرينة أنّ الموصوف بهما موجود في الأرض، وهو من آيات اللّه فيها، فالفكر يدرك بداهة أنّ الموصوف المحذوف الجبال.
رَواسِيَ: جمع"راسية"مؤنث اسم فاعل من الرّسوّ، وهو الثبات والرّسوخ.
تقول لغة: رسا الشيء يرسو رسوّا ورسوا، أي: ثبت ورسخ. ورسا الجبل: أي: ثبت أصله في الأرض، فهو"راس". وهي"راسية".
والرّواسي من الجبال الثوابت الرواسخ، وأرسى اللّه الجبال يرسيها، أي: ثبّتها وجعلها راسخات.
شامِخاتٍ: جمع"شامخة"أي: عالية مرتفعة. تقول لغة: شمخ الجبل يشمخ شموخا، أي: علا وارتفع.
والجبال الشوامخ: هي الجبال الشواهق. وجبل شامخ وشمّاخ، أي:
طويل في السّماء، ومنه قيل للمتكبّر: شامخ.
وصف اللّه عزّ وجلّ الجبال في الأرض بأنّها رواسي، وبأنّها شامخات، وفي ذكر هذين الوصفين إشارة إلى عناية اللّه بعباده في الأرض،