معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 583
فرسوّ الجبال ورسوخها في مواضع من الأرض مختلفة، مثبّت لقشرة الأرض من أن تكون عرضة دواما للتشققات والزلازل، والتحرّك والاضطراب، بتأثير الغليان النّاريّ الفوّار النّاشر للغازات الضّاغطة في باطن الأرض.
وشموخ الجبال وارتفاعها يحقّق للناس وغيرهم منافع كثيرة، ففيها تكون مخازن للمياه العذبة، ومن صخورها يقتطعون لمبانيهم، وعليها يبنون قصورهم وحصونهم، وعلى مرتفعاتها يستمتعون بنزهاتهم، وفي مغاراتها يتحصّنون ويحتمون، وبها يدرأ بعضهم عن نفسه بأس بعض.
* قول اللّه تعالى: ... وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتًا (27) :
وَأَسْقَيْناكُمْ: أي: وجعلنا لكم ماء صالحا للشرب.
تقول لغة: سقاه يسقيه سقيا، وأسقاه، وسقّاه، أي: جعل له ماء ليشرب منه طلبا للرّيّ.
فُراتًا: الفرات: أعذب الماء وأنقاه. يقال لغة: فرت الماء يفرت فروتة، أي: عذب، فهو فرات بمعنى أنّه بالغ العذوبة.
في ظاهرة الجبال الرّواسي الشّامخات، وظاهرة الماء الفرات، من ظواهر خلق اللّه آيات جليلات، يكتشف دقائقها علماء البحوث الكونيّة، ويكتبون فيها البحوث المستفيضة، وهذه البحوث تهدي إلى عظيم قدرة اللّه وجليل حكمته، وهي تقدّم الإقناع الكافي بأنّ البعث للحياة الأخرى حقّ، وفي هذه الحياة الأخرى يكون الحساب، وفصل القضاء، وتحقيق الجزاء.
أَفلا تدلّ هاتان الظّاهرتان من ظواهر آيات اللّه في كونه، على أنّ الرّبّ القدير العليم الحكيم سوف يعيد المكلّفين من عباده، إلى الحياة بعد الموت، ليجري ما تبقّى من خطّته في خلق عباده، الممتحنين المكلّفين في ظروف الحياة الدّنيا؟!!.