معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 607
ما سوف يكون للمتقين في جنّات النعيم، وهذا الاستقطاع من أحداث المستقبل، وتقديمه في البيان الحاضر، من الفنون البيانيّة القرآنيّة البديعة.
ويفهم عن طريق اللّوازم الفكريّة، أنّ المتقين في جنّات النّعيم يقال لهم هذا القول على سبيل التكريم.
أي: كلوا ممّا تشتهون من الفواكه، واشربوا ممّا يلذّ لكم من العيون، بإباحة تامّة لا حجر معها ولا غصّة، حالة كون ما تأكلون وما تشربون هنئيا.
هَنِيئًا أو [هنيّا] : أي: سائغا لذيذا. يقال لغة: هنيء الطعام أو الشراب يهنأ هنأ وهناءة، أي: ساغ ولذّ.
السائغ: هو الذي يمرّ في الحلق سهلا طيّبا مستمرا.
بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: أي: بسبب ما كنتم تعملون في الحياة الدّنيا من عمل صالح مستند إلى إيمان صحيح صادق، ومصحوب بابتغاء مرضاة ربّكم.
في هذه العبارة زيادة تكريم لأهل دار النعيم يوم الدين، مع التذكير بصدق وعد اللّه الكريم، فالإشعار بأنّ ما هم فيه قد تحقّق لهم بسبب ما كانوا يعملون، فيه غاية المبالغة في تكريمهم، مع أنّ ما هم فيه إنّما هو بفضل اللّه عليهم، أمّا أعمالهم في الحياة الدنيا فهي لا تكفي لشكر ما أنعم اللّه عليهم به فيها، ودخولهم الجنّة ونعيمها قد كان بمحض فضل اللّه عليهم.
ونظير هذا- وللّه المثل الأعلى- أن يضع الملك أو صاحب فضل عظيم، جائزة كبيرة جدّا، لصاحب الجواد الفائز في حلبة السّباق، أو لصاحب أجمل قصيدة غزليّة، أو لأوّل داخل إلى مائدته وآكل منها.