فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 633
* فأبان هذا النص أنّ من وظائف الرياح السببيّة في تصاريف مقادير اللّه على وجه الأرض، سوق الفلك في البحر ودفعها، ليبتغي النّاس بأسفارهم على ظهورها أرزاقهم ومصالح معاشهم من فضل اللّه.
وقد سخّرها اللّه لهم رحمة بهم، وهو برحمته يحميهم من الانكفاء والغرق.
فإذا تعرّضوا وهم على ظهورها ضمن تصاريفه في كونه للمخاوف الشديدة، لم يجدوا من ينجدهم ويحميهم إلّا أن يدعوا اللّه ربّهم، حتّى إذا أنجاهم وسلّمهم، وأوصلهم إلى البرّ الآمن بحسب تصوّرهم أعرضوا عنه، فلم يحمدوه ولم يشكروه، بل انطلقوا يعصونه ولا يعبدونه، مجاهرين بارتكاب الذّنوب والآثام، كأنّهم لم يكونوا قد التجؤوا إليه داعين حينما كانوا في الشّدّة.
وكان الإنسان كفورا جحودا.
* وأبان هذا النّصّ أنّ من وظائف الرّياح الشديدة، أن تكون حاصبة، وأن تكون قاصفة، وأن تكون سببا لإهلاك من يريد اللّه إهلاكهم، فإذا كانوا في البرّ أهلكهم بالريح الحاصب أو القاصف، وإذا كانوا في البحر أهلكهم اللّه عزّ وجلّ بالريح القاصف التي تقصف صواريهم، وتكفأ سفنهم وتغرقهم.
ألسنا نلاحظ في هذا النّصّ بيانا تفصيليّا للمجمل الذي جاء في أوّل النّصوص المنزّلة بشأن الرّياح، وهو قول اللّه عزّ وجلّ في صدر سورة (المرسلات/ 77 مصحف/ 33 نزول) :
وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا (1) فَالْعاصِفاتِ عَصْفًا (2) وَالنَّاشِراتِ نَشْرًا (3) فَالْفارِقاتِ فَرْقًا (4) فَالْمُلْقِياتِ ذِكْرًا (5) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (6) .
حقّا إنّ الرّياح بتصريف اللّه عزّ وجلّ تلقي ذكرا باللّه واليوم الآخر،