معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 142
ما أعجب هذا الجنوح عن الحقّ والنّفور عمّا يوصل إليه.
قوله تعالى:
* بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (52) كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ (53) .
في هاتين الآيتين بيان لعلّتهم النفسيّة التي جعلتهم ينفرون من تذكرة القرآن وبياناته، فجرّتهم إلى الكفر الذي هم فيه، وهي تتلخّص بأمرين: 1 - الكبر. 2 - وعدم الإيمان بالآخرة الّذي جعلهم لا يخافون من عقاب اللّه فيها.
* بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (52) .
بل: هذه"بل"الابتدائية، وهي تتضمّن معنى الإضراب عمّا سبقها، والإضراب هنا فيه معنى إبطال معاذيرهم، لعدم الاستجابة لتذكرة القرآن، وما جاء به الرّسول من بيان، إذ كان من ادّعاءاتهم في معاذيرهم أنّ القرآن سحر يؤثر، وأنّه قول البشر.
وفي قوله تعالى: يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً بيان لعلّة الكبر في نفوسهم، الذي جعلهم يتطاولون إلى أن يكون كلّ امرئ منهم ذي مكانة فيهم نبيّا يؤتى من قبل ربّه صحفا تنزّل عليه، وهذه الصّحف ينبغي أن تكون منشّرة.
منشّرة: النّشر خلاف الطيّ، يقال لغة: نشر الصّحيفة ينشرها نشرا، أي: بسطها ولم يجعلها مطويّة. ونشّر الصّحف بتشديد الشّين، أي: زاد في بسطها.
والمعنى أنّهم يريدون أن تكون الصّحف الّتي يؤتيهم اللّه إيّاها منشّرة غير مطوية، رغبة منهم في أن يكون لها مظهر معلن يراه الناس، فيكون لهم به مجد الشهرة بأنّ اللّه نزّل عليهم هذه الصّحف مكرّما لهم بها، وهذا من فرط الكبر في نفوسهم