معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 144
موضع الابتلاء، فمن شاء باختياره الحرّ أن يعيه ويتفهّمه ويضعه في ذاكرته فهو ممكّن من ذلك بقضاء اللّه وقدره، لأنّ اللّه منحه الإرادة الحرّة، وسخّر له الأدوات الّتي يذكر بها ما يشاء أن يذكره، فمن شاء ذكره، لا تقف دون تحقيق مشيئته قوّة قاهرة، صادّة ولا صارفة ولا معوّقة ولا ملغية ولا سالبة.
ولئلّا يتوهّم متوهّم أنّ مشيئة الناس الحرّة موجودة فيهم ذاتيّا دون خلق خالق وتمكينه وتسخيره، قال اللّه عزّ وجلّ في الآية الأخيرة:
* وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ...:
أي: وما يذكرون بمشيئتهم الحرّة في أيّة حال من الأحوال إلّا في حالة مشيئة اللّه أن يمنحهم القدرة على المشيئة الحرّة، ويسخّر لهم الأسباب الّتي بها يذكرون، فجهاز المشيئة الحرّة خلق من خلقه، والقدرات التي بها يشاءون ويذكرون ويعملون أعمالهم كلّها لا توجد إلّا بخلقه، والتّمكين من استعمالها يكون منه، وبإذنه، وحرّيّتهم مع كلّ ذلك لا تتأثّر بجبر ولا قسر، لكن من شاء الحقّ والخير والهدى صادقا منحه اللّه توفيقا ومعونة وأوزعه وزاده اندفاعا وسدادا.
ولمّا كان الأمر يتعلّق بابتلاء الناس في ظروف الحياة الدنيا، والابتلاء يقتضي المحاسبة وفصل القضاء والجزاء، ومن الجزاء العقاب على السيّئات، ولمّا كان كلّ بني آدم خطّائين، ومنهم من يتوب ويستغفر، ومنهم من يصرّ على معاصيه ويستكبر، ناسب أن يختم اللّه عزّ وجل السورة بقوله:
* ... هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ.
عبارة: فلان أهل لكذا تأتي بمعنى أنّه مستحقّ لكذا، فالأهل للشيء هو المستحقّ له، يطلق لفظ"أهل"بالإفراد على الواحد وغيره، مثل: هما أهل لكذا، وهم أهل لكذا.
(التقوى) اسم للاتقاء، وللتّقى، تقول لغة: اتّقيت اتّقاء، وتوقّيت