معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 27
دفع توهّماتهم الأخرى، فمن ذلك ما سيأتي في سورة (ق) ومنه ما سيأتي في غيرها ممّا نزل بعدها في نجوم التنزيل، مراعاة لمعالجة ما هو ماثل في تصوّرات المعالجين إبّان نزول النجم القرآنيّ، وعملا بالسّنّة القرآنيّة في تجزئة الموضوعات وبثّها في السّور، مع التكامل البديع فيما بينها، وهذا أحد عناصر إعجاز القرآن، مع ما في التجزئة من حكمة التدرّج التعليمي، والتكليفي، والتربويّ.
ونلاحظ هنا في هذا الدرس أنّه قد اشتمل على دفع توهّم من توهّمات المنكرين للبعث، دون ذكر لهذا التوهّم، لأنّ دفع التوهّم يشعر بوجوده في خواطر المنكرين وأحاديث نفوسهم، سواء عبّروا عنه بأقوالهم أم لم يعبّروا، وهذا من بديع الإعجاز في القرآن الكريم.
ونجد نظيره في الإجابة على سؤال غير مذكور في اللفظ، وفي حلّ إشكال غير مذكور في اللّفظ أيضا، إلّا أن الموضوع يستدعي ذلك، فمن الجليّ في أساليب القرآن المجيد الرائعة، التي يدركها المتدبّر اللّمّاح أنّ النّصّ القرآنيّ قد يدفع توهّما، أو يحلّ إشكالا، أو يجيب على سؤال، دون ذكر الشيء الذي يعالجه النّص، إيجازا في العبارة، واكتفاء بدلالة المعالجة عن ذكر الداعي إليها، واعتمادا على ذكاء أهل التّدبّر الأكفاء.
فمن التوهّمات الّتي تفسد تصوّرات المشركين حول موضوع البعث إلى الحياة بعد الموت وفناء الأجساد، وتفرّق ذرّاتها في تراب الأرض، توهّمهم أنّ اللّه عزّ وجلّ ليس لديه علم كامل بكلّ ذرّات أجساد الموتى، وبكلّ صفاتهم النفسيّة والفكريّة والجسديّة، حتّى يعيدهم إلى مثل ما كانوا عليه تماما، فجاء البيان القرآنيّ في هذا الدّرس دافعا لهذا التوهم الباطل، فقال اللّه عزّ وجلّ:
قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (4) .