معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 28
قَدْ عَلِمْنا، أي: سبق في علمنا، بما قدّرنا وقضينا قبل خلق النّاس وإحيائهم، ثم إماتتهم ما تنقص الأرض من أجسادهم بعد موتهم، وقد جاء هذا البيان بصيغة الفعل الماضي مع تأكيده بحرف التحقيق قَدْ للدلالة على سبق العلم بخطّة التكوين قبل تنفيذ عمليات الخلق المتتابعة بناء وإفناء.
وجاء استعمال ضمير المتكلم العظيم إشعارا بأنّ هذا العلم هو من خصائص ربوبيّة الرّبّ الّذي لا يعزب عن علمه معلوم ما، مهما كان صغيرا وجزئيا ممّا كان وممّا هو كائن وممّا سيكون، لأنّه هو سبحانه واضع خطّة التكوين كلّها قبل بدء الخلق، مع تحديد مراحل تنفيذها بناء وإفناء.
وضمير المتكلم العظيم نجده في: [علمنا- عندنا] .
إنّ أمر الإيجاد، والإحياء، والإماتة، والإفناء، والإعادة بالبعث، والإيجاد بعد البعث، وسائر التصاريف في الكون، إنّما تتمّ في الكون، ضمن خطّة القضاء والقدر العامّ، فما من شيء يحدث في الكون بنفسه، إنّما يحدث بقضاء وقدر من الخالق الرّبّ جلّ جلاله، سواء أكان ذلك الشيء كبيرا أم صغيرا.
إنّ سبق العلم بما سيحدث، وربط كلّ ما يحدث بتقدير حكيم، وإرادة ماضية، وخلق يتمّ به تنفيذ المراد، أمور تدفع كلّ التوهّمات المتعلّقة بصفة علم اللّه سبحانه وتعالى عمّا يتوهّم الّذين لا علم لهم باللّه جلّ جلاله، وعظم سلطانه، وأحاط علمه بكلّ شيء كان أو هو كائن أو سيكون ضمن خطّة التكوين العامّ.
وناقصو المعرفة باللّه وبمجريات أحداث الكون، يتوهّمون أنّ اللّه سبحانه عمّا يصفون ليس لديه إحصاء كامل لما يتناقض تباعا من أجساد الموتى، بسبب ما يحدث لها بعد الدّفن في الأرض، فتتغيّر بذلك صفاتها