معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 29
الّتي كانت تتصف بها وهي ذات حياة، ثمّ تتفتّت وتتفرّق ذرّات أجسادهم، ضمن سنن سببيّة مرسومة وموصوفة ومعلومة، والفعّال الحقيقيّ من باطن قنوات الأسباب هو الخلّاق العليم، خالق الأسباب والمسبّبات، المحتجب عن الأنظار بعالم الظواهر، تقدّست وتمجّدت أسماؤه وصفاته.
وكما كان بدء خلق الناس، وبناء أجسادهم ضمن خطّة خلق مسبوقة بعلم شامل لكلّ صغيرة وكبيرة، فموتهم وإفناء أجسادهم، وكلّ التصاريف التي تجري فيها وفي نفوسهم مسبوق بعلم شامل، وخطّة في الإفناء تتناول كلّ صغيرة وكبيرة، ويجري تنفيذ كل ذلك بقدرة اللّه على وفق علمه السّابق الّذي شمل كلّ ما قدّره وقضاه من أطوار الإيجاد والإعدام، والبناء والهدم، والتركيب والحلّ، والإفناء والبثّ، والجمع والإعادة.
ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ، أي: ما تنقص الأرض من أجساد الموتى بالإفناء. تقول لغة: نقص الشّيء ينقص نقصا ونقصانا على أنّ الفعل لازم، أي: ذهب من مقداره شيء ما قلّ أو كثر، وتقول: نقصت الشيء على أن الفعل متعدّ، أي: أخذت منه مقدارا ما.
إنّ من آمن باللّه عزّ وجلّ ربّا خالقا، قادرا عى أن يخلق ما يشاء، محييا مميتا لا يجري شيء في كونه إلّا بعلمه، وقضائه وقدره، أو إذنه ضمن قانون التّسخير، كيف يتوهّم أن يندّ عن علمه جلّ جلاله. ما تنقصه الأرض من أجساد الموتى.
إنّ ما يحدث في الكون كلّه تطبيق لما سبق به علم اللّه بأنه سيقع وبعد الوقوع يعلم اللّه أنّه قد وقع فعلا.
يضاف إلى هذا أنّ العلم بكلّ ما سيحدث مدوّن مسجّل بكلّ دقائقه في كتاب حفيظ، دلّ على هذا قول اللّه عزّ وجلّ في الآية التي نتدبّرها:
وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ إنه اللّوح المحفوظ بحفظ اللّه له، وقد يشمل غيره من الكتب، ككتب أعمال العباد.