معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 33
وجاء تأكيد هذا الخبر عن شمول علم اللّه عزّ وجلّ بالمؤكّدات التاليات:
"إنّ"و"الجملة الاسميّة"و"اللّام المزحلقة للخبر"كما يقول البلاغيّون.
وأبان هذا النّصّ أنّه ما من غائبة على أحد من خلق اللّه له إدراك علميّ ما، إلّا هي مسجّلة مدوّنة في كتاب واضح الدّلالة مبين، ولهذا البيان لازمان عقليّان.
الأول: أنّ كلّ ما هو قابل لأن يعلم مدوّن في كتاب مبين، إذ ما من صغيرة ولا كبيرة إلّا هي غائبة عن بعض خلق اللّه، ولو كانت معلومة لآخرين، فشملت كلمة غائِبَةٍ كلّ ما هو قابل لأن يعلم.
الثاني: أنّ كلّ ما هو مسجّل مدوّن في كتاب مبين، لا بدّ أن يكون معلوما للّه عزّ وجلّ.
النص الثالث: قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (يونس/ 10 مصحف/ 51 نزول) :
وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (61) .
وَما يَعْزُبُ، أي: وما يبعد وما يخفى. يقال لغة: عزب الشّيء يعزب ويعزب عزوبا، أي: بعد وخفي، وفي يعزب قراءتان بضم الزاي وكسرها.
مِنْ مِثْقالِ:"من"حرف جر جيء به لتأكيد عموم النفي في: وَما يَعْزُبُ ويسمى حرف جرّ زائد وهو داخل هنا على الفاعل.
مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ، أي: من مقدار ذرّة.
وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ، أي: ولا أصغر من ذرّة ولا أكبر.
وفي"راء"أصغر وأكبر قراءتان، قراءة بالفتح، وقراءة بالضمّ.