معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 40
الآيات الكونية الثلاث المتعلقة بالأرض:
الآية الأولى: مدّ الأرض، كما يتمدّد السّقاء من الجلد الممتلئ ماء، وكذلك كان شكل الأرض قبل تثبيتها بالجبال التي ألقيت فيها. وقد يكون المراد بالمدّ الإمداد بالعناصر الصالحة لنفع الناس، بالأرزاق وغيرها من مطالب الحياة الدنيا، كالمعادن المختلفة.
الآية الثانية: تثبيت الأرض بالرّواسي الّتي ألقاها اللّه عزّ وجلّ بأمره التكوينيّ، لئلّا تميد بسكّانها، فتتحرّك أجزاء منها وتضطرب، كما تميد الفلك بأمواج البحر وتتخبّط.
الآية الثالثة: إنبات أنواع النباتات وأصنافها من كلّ زوج (أي: من كلّ نوع أو صنف) بهيج، أي: ذي بهجة. البهجة هي الحسن والنضارة.
وحرف مِنْ في عبارة مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ للتبعيض، لأنّ احتمالات الأنواع والأصناف الممكنة لا تنحصر فيما أنبت اللّه منها، فما أنبت اللّه هو بعضها المقدّر والمقضيّ.
وفي هذه الظواهر الّتي هي من آيات اللّه الكونيّة في السّماء والأرض، تبصرة ابتداء، وتذكرة دواما، لأهل الأفكار المتدبّرة الواعية المنيبين إلى بارئهم، بما فيها من دلائل تدلّ على صفات الرّبّ الخالق البارئ العليم الحكيم، الّذي أتقن كلّ شيء صنعا.
فجاء في النصّ عقب ذكر الآيات قول اللّه عزّ وجلّ:
تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) .
التبصرة في اللّغة: التّعليم والتفهيم، فمن يدرك دلائل هذه الآيات في السّماء والأرض، تكون له تبصرة وتعليما ابتداء، ثم تكون له ذكرى دوما.
تقول لغة: بصّره الأمر تبصيرا وتبصرة، أي: فهّمه إيّاه، وعرّفه به، وأوضحه له.